يحيي بن حمزة العلوي اليمني

34

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

ذلك هو أن الحقيقة استعمال اللفظ في موضوعه الأصلي ، فإذن الحقيقة لا تكون حقيقة إلّا إذا كانت مسبوقة بالوضع الأول ، والمجاز هو المستعمل في غير موضوعه الأصلي ، فيكون أيضا مسبوقا بالوضع الأول . فثبت بما ذكرناه أن الشرط في كون اللفظ حقيقة ، أو مجازا ، حصول الوضع الأول وعلى هذا يجب أن يكون الوضع الأول خاليا عن الحقيقة والمجاز لما ذكرناه . الحكم الثاني [ في أن الحقائق العرفية من ضرورتها أن تكون مسبوقة بالوضع اللغوىّ ] اعلم أن الحقائق العرفية من ضرورتها أن تكون مسبوقة بالوضع اللغوىّ ، لأنها فيما ذكرناه في استعمالها في مجاريها العامّة ، والخاصّة ، أمّا قصر الاسم على بعض مسمياته ، فلا بدّ فيه من سبق وضع عامّ ، وأمّا سبق المجاز إلى الفهم فيكون حقيقة ، وهكذا حال ما يجرى في الاستعمال الخاص ، فإنه لا بدّ من أن يكون مسبوقا بالوضع اللغوىّ حتى يحصل في العرف مقصورا على بعض مجاريه . فعرفت بما حققناه أنه لا بدّ من صيرورة ما يكون حقيقته عرفية من سبق الوضع اللغوىّ عليها . فإذن الحقيقة اللغوية متوقفة على الوضع بالأصالة ، والحقيقة العرفية متوقفة على الوضع اللغوىّ الذي تكون فيه حقيقة . فهو المتوقف على الوضع بالأصالة . الحكم الثالث في الحقائق الشرعية اعلم أن النقل في الحقائق الشرعية ، والدينية ، لا بدّ من أن يكون مسبوقا بالوضع اللغوىّ ، وهو خلاف الأصل لا محالة ، لأنه متوقّف على سبق الوضع في اللغة ، والوضع اللغوىّ ليس مسبوقا بغيره ، فلهذا قلنا إنه على خلاف الأصل ويتفرّع على القول بصحة النقل فروع ثلاثة : الفرع الأول منها لا شك في جرى التواطؤ في الألفاظ الشرعية ، كالإيمان والإسلام فإنهما يطلقان على أعمال مختلفة كالأقوال والأفعال والاعتقادات باعتبار أمر يجمعها ، وهو التصديق والانقياد ، وهذا هو المعتبر في جرى الألفاظ المتواطئة ، كقولنا : الإنسان ، والحيوان ، فإنها تطلق باعتبار أمر جامع لها مع اختلاف أعيانها وأفرادها ، وذلك الأمر هو الإنسانيّة ، والحيوانية ، ولا خلاف في هذا ، إنما الخلاف في جرى الأسماء المشتركة ، في الألفاظ الشرعية . منعه بعضهم والحقّ جوازه ووقوعه . والذي يدلّ على ذلك ما تعلمه في لفظ