يحيي بن حمزة العلوي اليمني

213

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

ما لي رأيت ترابكم يبس الثرى * ما لي أرى أطوادكم تتهدم فجعل يبس الثرى ، كناية عن تنكر ذات البين ، يقال يبس الثرى بيني وبين فلان ، إذا تنكر الود الذي بينك وبينه ، وهكذا تهدم الأطواد فإنه كناية ، إما عن موت الرؤساء ، وإما عن خفة الحلوم وطيش العقول ، ومن ذلك قول أبى نواس يكنى به عن امرأة : تحاول أن يقوم أبو زياد * ودون قيامه شيب الغراب أتت بجرابها تكتال فيه * فعادت وهي فارغة الجراب فقوله : « أتت بجرابها تكتال فيه » من الكناية اللطيفة ، ومن هذا قول زياد الأعجم : إن السماحة والمروءة والندى * في قبة نصبت على ابن الحشرج فأراد أن يقول : إن السماحة والمروءة والندى مجموعة فيه ، أو مقصورة عليه ، أو مختصة به ، لكنه عدل إلى ما هو أرق من ذلك ، وأدخل في الإعجاب والمدح ، فجعلها في « قبة » وكنى به عن كونه فيها وأنه متمكن في الندى ، منسدل عليه كالقبة المضروبة على كل ما تحويه ، ومن ذلك ما قاله بعض الأذكياء في الكناية : وما يك في من عيب فإني * جبان الكلب مهزول الفصيل فكنى عن كرم نفسه ، وكثرة قراه للضيفان ، بجبن الكلب ، وهزال الفصيل ، ولو صرح لقال : إن جنابى مأهول ، وكلبى مؤدب ، لا ينكر الضيف ، ولا يهر في وجوههم ، وإني أنحر النوق ، فأدع فصالها هزلى ، ومن ذلك ما قاله بعض الشعراء : يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا * يكلمه من حبه وهو أعجم وهكذا ورد قول أبى نواس : فما جازه جود ولا حل دونه * ولكن يصير الجود حيث يصير فتوصل إلى إثبات الصفة للممدوح ، بإثباتها في مكانه ، وإلى لزومها له ، بلزومه الموضع الذي يحله . ومن هذا قول حسان بن ثابت : بنى المجد بيتا فاستقرت عماده * علينا فأعيا الناس أن يتحولا وقول البحتري : ظللنا نعود المجد من وعكك الذي * وجدت وقلنا اعتل عضو من المجد فكنى باعتلال عضو منه ، عن اعتلال عضو من المجد ، ومن هذا ما قاله البحتري أيضا :