يحيي بن حمزة العلوي اليمني
212
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ولقد أروح بمشرف ذي ميعة * عسر المكرة ماؤه يتفصد مرح يطير من المراح لعابه * ويكاد جلد إهابه يتقدد وكان عنّينا لا رغبة له في النساء ، وكان كثيرا ما يصف ذلك من نفسه ، فهذان البيتان جعلهما كناية ، فهما كما ترى دالان بحقيقتهما على شيء ، وبمجازهما على غيره ، وهذه هي فائدة الكناية . وحكى ابن الأثير أن سعيد بن عبد الرحمن وفد على هشام بن عبد الملك ، وكان جميل الوجه ، فراوده عبد الصمد على نفسه ، فدخل على هشام مغضبا وهو يقول : أما والله لولا أنت لم * ينج منى سالما عبد الصمد فقال هشام ، ولم ذاك ؟ فقال : إنه قد رام منى خطة * لم يرمها قبله منى أحد فقال له هشام ، وما هي ؟ فقال : رام جهلا بي وجهلا بأبى * يدخل الأفعى إلى خيس الأسد قال فضحك هشام ، وقال : لو فعلت به شيئا لم أنكره عليك ، ومما أنشده ابن الأثير في الكناية وقال من لطيفها وعجيبها لأبى نواس في الهجاء : إذا ما كنت جار أبى حسين * فنم ويداك في طرف السلاح فإن له نساء سارقات * إذا ما بتن أطراف الرماح سرقن وقد نزلن عليه أيرى * فلم أظفر به حتى الصباح فجاء وقد تخدش جانباه * يئن إلى من ألم الجراح فجعل قوله « أطراف الرماح » كناية عن العضو المشار إليه ، وهذه عبارة في غاية اللطافة ، والحسن والرشاقة ، ومن جيد الكناية وبديعها ما قاله الفرزدق يرثى امرأته : وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح * عليه ولم أبعث عليه البواكيا وفي جوفه من دارم ذو حفيظة * لو أن المنايا أمهلته لياليا وقد قيل : إنه ما كنى عن امرأة ماتت بأحسن من هذه الكناية ، وإنها لجيدة في معناها ، فائقة في مقصودها ومغزاها ، ومما حسن موقعه في الكناية قول الشريف الرضى : أحن إلى ما يضمن الخمر والحلى * وأصدف عما في ضمان المآزر ومن ذلك ما قاله أبو تمام في الاستعطاف :