يحيي بن حمزة العلوي اليمني

211

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

هذا في تنور أهلك لكان خيرا لك ، فذهب الرجل فألقاه في التنور ، فاحترق ، ولم يرد عبد الله احتراقه وإنما أراد المجاز ، وهو أنه لو باعه وصرف قيمته إلى دقيق يخبزه في التنور أو حطب يلقيه فيها لكان خيرا له ، وهذا الكلام حكاه ابن الأثير عن عبد الله بن سلام ، وهو مأثور عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، بمعناه في سنن أبي داود . ويمكن أن نقول : ما نقله عبد الله بن سلام هو من جهة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن هذا قولهم « فلان يقدم رجلا ويؤخر أخرى » جعلوه كناية عمن يتحير في أمره ، فلا يدرى كيف يورده ويصدره ، وقوله « ما زال يفتل في الذروة والغارب » يجعلونه كناية عمن يريد التلطف والاحتيال في المساعدة إلى ما يقصده ويريده ، وقولهم « فلان ينفخ في غيره ضرم » جعلوه كناية عمن يفعل فعلا لا يجدى عليه بفائدة ، ولا يعود عليه بنفع ، لأن النفخ في غير ضرم لا يورى نارا ، ومن هذا قولهم « فلان يخط على الماء » يكون هذا كناية عمن يفعل فعلا يكون عدمه كوجوده بالإضافة إلى عدم الفائدة . لأن الخط على الماء يذهب في أسرع شيء وأقربه ، والكنايات كثيرة في كلام العرب ، وأمثالها ، وفيما ذكرناه غنية وكفاية ، وبالله التوفيق . واعلم أن هذه الأمثلة التي أسلفناها من الكنايات من الكتاب ، والسنة ، وكلام أمير المؤمنين في الكناية ، فإنها واضحة في الاستعارة وضوحا كليا ، واحتمالها للكناية بعيد يحتاج إلى تكلف ، والمقصود وهو معرفة الأمثلة وإيضاح المقصود بها ، فإن هي صلحت حصل المقصود ، وإن كانت غير صالحة للتمثيل طلب غيرها ولم يكن خللها يخل بالحقيقة المطلوبة . النوع الخامس فيما ورد من الكنايات الشعرية فمن ذلك قول أبى الطيب المتنبي في مدح سيف الدولة : وشر ما قنصته راحتى قنص * شهب البزاة سواء فيه والرخم فكنى بالبزاة عن سيف الدولة ، وبالرخم عن غيره ، وأنه يستوى فيه المال هو وغيره ، ومن ذلك قول الأقيشر الأسدي :