يحيي بن حمزة العلوي اليمني

206

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

حَرْثٌ لَكُمْ [ البقرة : 223 ] والحرث إنما يكون في الأرض ، فلهذا ازدادت رشاقة وحسنا ، فهذه الآيات كلها يجوز حملها على ما ذكرناه من الكنايات على جهة المجاز مع الوفاء بما تحتمله من ظاهرها على وجه الحقيقة ، وقد قررنا فيما سبق أنه ليس في المجازات ما يجوز حمله على حقيقته ، ومجازه معا سوى الكناية فلا مطمع في إعادته ، وفي القرآن كنايات كثيرة أعرضنا عنها استكفاء بما ذكرناه ، وتنبيها بالأقل منها على الأكثر . النوع الثاني فيما ورد من الكنايات في الأخبار النبوية فمن ذلك ما روى أن رجلا يقال له « أنجشة » غلام أسود وكان في بعض أسفاره ، فحدا بالإبل فطربت لحسن حدائه فأسرعت في سيرها وعليها النساء فقال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ويحك يا أنجشة ، سوقك بالقوارير . فهذه كناية لطيفة ، وإنما كنى عنهن « بالقوارير » لأمور ثلاثة ، أما أولا فلما هن عليه من حفظ الأجنة ، والوعاء كالقارورة تحفظ ما فيها ، وأما ثانيا فلاختصاصهن بالصفاء والصقالة ، والحسن والنضارة ، وأما ثالثا فلما فيهن من الرقة والمسارعة إلى التغير والانثلام ، كما يتسارع الانكسار إلى القارورة لرقتها ، وهذا الوجه هو الذي يومئ إليه كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم حيث قال له . « رفقا بالقوارير » في حديث غير هذا ، ومن ذلك ما ورد عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : كانت امرأة ممن كان من قبلنا ، وكان لها ابن عم يحبها فراودها على نفسها فامتنعت منه ، فأصابتها سنة مجدبة فجاءت إليه تسأله فراودها فمكنته من نفسها ، فلما قعد منها مقعد الخائن قالت له : اتق الله ولا تفضض الخاتم إلا بحقه ، فقام وتركها ، وهذه كناية قد وقعت موقعها في اللطافة والرقة ، وكنت بالخاتم عن بكارتها ، وأنها بمنزلة الشئ المختوم الذي لم ينكسر ختمه ، ومن ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم لما جاءه رجل يشهد له بالزنا على نفسه ، فقال له . لعلك لا تعرف الزنا ، فقال له . والله يا رسول اللّه لقد غيبت ميلى في مكحلتها كما يغيب الرشاء في البئر ، فكنى بالميل عن الذكر ، وبالمكحلة عن فرج المرأة ، ومن ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلم لخوّات بن جبير ، وقد كان خوات كثيرا ما يرد على النساء في مجامعهن فيقول : إن معي بعيرا شرودا فمن يفتل له منكن قيدا أقيده به ، فكنى بالبعير عن ذكره ، فقال له الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم يوما وقد لقيه : يا خوات ما فعل بعيرك الشارد ، فقال يا رسول اللّه قيده