يحيي بن حمزة العلوي اليمني
207
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الإسلام ، وإنما كنى بالبعير عن الذكر ، لأن اشتداد الغلمة وعظم الشبق بمنزلة صعوبة الإبل ، وشدة معالجتها ، وعزة مراسها ، فلهذا قرره الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم على تلك الكناية لما ذكرناه . ومن ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة « بدر » حين رأى أهل مكة يصوبون من العقنقل يريدون لقاءه للحرب قال : « هذه مكة قد ألقت إليكم بأفلاذ كبدها يريدون أن يحادوا الله ورسوله » فكنى بقوله « أفلاذ كبدها » عن الرؤساء والأكابر ، لأن الكبد من أعز أعضاء الإنسان ، ويضاف إليها ضيق الإنسان وحزنه ، وفرحه وغمه ، وأفلاذها قطعها ، فكنى بها عنهم . ومن ذلك ما يحكى عن بديل بن ورقاء الخزاعي وقد جاء إلى الرسول صلى اللّه عليه وسلم في عام الحديبية ، حين نزل على الركية في نفر من قومه من تهامة ، فقال : أتى ركب كعب بن لؤي وعامر بن لؤي ، نزلوا على مياه الحديبية ، معهم العوذ المطافيل ، وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ، فقوله « العوذ المطافيل » جعلها كناية عن النساء والصبيان ، والعوذ جمع عائذ ، وهي الناقة التي قوى ولدها « والمطافيل » جمع مطفل ، وهي الناقة التي معها ولدها لقرب عهدها بالنتاج ، ويجوز حمل هذا على حقيقته ، أي الأموال الكريمة التي تكون قواما لهم في الحرب ، وعونا لهم عليها ، ومن ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم لما قال له عمر : يا رسول الله هلكت ، فقال : وما أهلكت ؟ فقال حولت رحلي البارحة ، فقال له الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم أقبل وأدبر واتق الدبر ، والحيضة . فكنى عمر بقوله « حولت رحلي » عن أنه أتى امرأته من جهة دبرها ، فجعل تحويل الرحل كناية عن ذلك ، لأن المرأة للرجل بمنزلة الناقة ، يأتيها في الركوب من أي جوانبها شاء ، فهكذا حال المرأة ، ومن ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم « إياكم وخضراء الدمن » وهذا تحذير ، وكنى بقوله « خضراء الدمن » عن المرأة الحسناء في المنبت السوء ، وإنما كنى بذلك عنها ، لما فيه من المناسبة لأمرين ، أما أولا فلأن أول عشرتها يكون حسنا موافقا ، ومن بعد ذلك تعود إلى الفساد والرداءة ، كزرع المزابل ، فإنه يعجب أولا ثم يذبل ويجف ويزول على القرب ، وأما ثانيا فلأن غضارتها ورونقها قليلة ، وعن قريب وقد صارت مقحلة ذات ذبول . ومن ذلك قوله صلّى اللّه عليه وسلم لجابر حين سايره من مكة إلى المدينة ، وقد سأله عمن نكح ، هل بكرا أم ثيبا ، فقال له « إذا قدمت فالكيس الكيس » كنى بالكيس عن حسن الشمائل في الوقاع ولطيف المعاشرة عنده ، والإقلال منه ، ولنقتصر على هذا القدر من الكنايات ففيه كفاية وتنبيه بالأقل على الأكثر .