يحيي بن حمزة العلوي اليمني
200
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
وقد يرد التعريض من غير الألفاظ العربية كالتوراة ، والإنجيل ، والسريانية ، والفرسيّة ، وذلك لكثرة الحاجة إليه ، وأعجب ما سمعته من ذلك ، أن رجلا من خواص كسرى قيل له إن الملك يختلف إلى امرأتك ، فهجرها من أجل ذلك ، وترك فراشها ، فأخبرت كسرى ، فدعاه ، وقال له ، قد بلغني أن لك عينا عذبة وأنك لا تشرب منها ، فقال له : أيها الملك بلغني أن الأسد يردها ، فخفته ، فاستحسن كسرى منه كلامه ، وأسنى عطيته . المقصد الثاني في بيان التفرقة بين التعريض والكناية ويشتمل على تنبيهات ثلاثة : التنبيه الأول في أن التعريض ليس معدودا من باب المجاز وبيانه هو أن المجاز ما دل على خلاف ما وضع له في الأصل ، والتعريض ليس حاله هكذا ، فإنه دال على ما كان دالا عليه في الأصل ، خلا أنه أفاد معنى آخر بالقرينة ، ومثاله قوله تعالى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً [ المؤمنون : 115 ] فهذا استفهام ورد على جهة الإنكار ، وهو مجاز فيه ، وهو دال على ما وضع له ، لكنه تعريض بالكفار في إنكار الرجعة ، والمعاد الأخروى ، وليس دالا عليه من جهة مجازه ، ولا من جهة حقيقته ، وإنما هو مفهوم من جهة القرينة ، كما قررناه من قبل . ومن غريب ما جاء في التعريض قول أمير المؤمنين كرم الله وجهه : « إن الموت طالب حثيث لا يفوته المقيم ، ولا يعجزه الهارب ، وإن أكرم الموت القتل ، والذي نفس ابن أبي طالب بيده ، لضربة ألف سيف أهون على من ميتة على الفراش » فهذا كلامه ، قاله على جهة التعريض لأصحابه في تأخرهم عن الجهاد ونكوصهم عن قتال عدوهم ، ثم قوله أيضا يخاطب به أصحابه : « أين القوم الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه ، وقرءوا القرآن فأحكموه ، وهيجوا للجهاد فولهوا وله اللقاح لأولادها ، وسلبوا السيوف أغمادها ، وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا ، وصفا صفا ، بعضهم هلك ، وبعضهم نجا » إلى آخر كلامه . فهذا كلام أخرجه مخرج التعريض بأصحابه ، حيث لم ينقادوا لأمره ، ولا استمعوا قوله .