يحيي بن حمزة العلوي اليمني
20
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
وسئل الشريف الرضى عن هؤلاء الثلاثة فقال ، أما أبو تمام فخطيب منبر ، وأما البحتري فواصف جؤذر ، وأما أبو الطيب المتنبي فقائد عسكر . فالارتياض بكلام كل واحد من هؤلاء يوجب رسوخ القدم فيما ذكرناه من البلاغة والفصاحة . دقيقة اعلم أنا وإن أوجبنا على من أراد الخوض في علوم البيان وإحرازها أن يحصل على ما ذكرناه من هذه العلوم الأدبية ، فلسنا نريد أن يكون محيطا بأسرارها مستوليّا على جميع دقائقها ، فذلك متعذر ، بل ربما يستغرق الإنسان عمره في واحد منها فلا يعتبر أن يكون في اللغة بالغاً مبلغ الفراء ، وأبى عبيد ، ولا يكون في العربية بمنزلة الخليل ، وسيبويه ، ولا في علم التصريف على رتبة المازني ، وابن جنى ، ولكن يحرز لنفسه قدرا من الفضل فيها يمكنه به الخوض في علومها ، ويعرف مصطلحاتهم فيطلب حاجته من كتبهم وأوضاعهم ، فمتى حصل على هذه الحالة أمكنه السلوك لطرائقهم ، وأن يرد مواردهم ويستعين بالله . المطلب الخامس في بيان ثمرته واعلم أنه يراد لمقصدين . المقصد الأول منها : مقصد دينىّ ، وهو الاطّلاع على معرفة إعجاز كتاب الله ، ومعرفة معجزة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، إذ لا يمكن الوقوف على ذلك إلّا بإحراز علم البيان ، والاطّلاع على غوره ، فإن هذا العلم لمن أشرف العلوم في المنقبة ، وأعلاها في المرتبة ، وأنورها سراجا وأوضحها منهاجا ، وأجمعها للفوائد ، وأحواها للمحامد ومع ما اشتمل عليه من الفضائل نخص هذا الموضع بذكر فضيلتين تدلان على غيرهما من سائر فضائله . الفضيلة الأولى : أن الرسول صلى اللّه عليه وعلى آله ، مع ما أعطاه الله من العلوم الدينية ، وخصه بالحكم والآداب الدنيوية ، فلم يفتخر بشئ من ذلك ، فلم يقل ، أنا أفقه الناس ، ولا أنا أعلم الخلق بالحساب ، والطب ، بل افتخر بما أعطاه الله من علم