يحيي بن حمزة العلوي اليمني

187

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

التعريف الثاني ذكره ابن سراج المالكي في كتابه المصباح ، وتقرير ما قاله في ماهية الكناية ، هو ترك التصريح بالشئ إلى مساويه في اللزوم ، لينتقل منه إلى الملزوم ، فقوله : « ترك التصريح بالشئ » عام في جميع الأنواع المجازية ، فإنها متفقة في ترك التصريح بحقائقها الموضوعة من أجلها ، وقوله : « إلى مساويه في اللزوم لينتقل منه إلى الملزوم » يحترز به عن الاستعارة في مثل قولك : رأيت أسدا ، فإنك انتقلت في الكناية عن لفظ إلى ما يساويه في مقصود دلالته ، فإن الوصف كما يلزم قولنا فلان كريم ، فإنه يلزم مساويه أيضا وهو قولنا فلان كثير رماد القدر ، بخلاف قولنا أسد ، فإنه ليس مماثلا لقولنا فلان شجاع في مقصود دلالته ، بل يخالفه في نفس دلالته ، فإنه دال على خلاف ما دل عليه قولنا فلان شجاع ، وإنما شاركه في بعض معانيه ، وهو الشجاعة فافترقا ، وقوله ( لينتقل منه إلى الملزوم ) يعنى أن فائدة المساواة في الدلالة ، هو المساواة في الملزوم ، فهذا ملخص ما ذكره ابن سراج المالكي في كتاب المصباح مع فضل بيان منا لقيود في الحد أغفلها فيه . التعريف الثالث حكاه ابن الأثير عن بعض علماء البيان ، وحاصل ما قاله في تفسير الكناية ، هي اللفظ الدال على الشئ بغير الوضع الحقيقي بوصف جامع بين الكناية والمكنى عنه ، وزعم أن مثال ما قاله هو ، اللمس ، والجماع ، فإن الجماع اسم موضوع حقيقي لمعناه ، واللمس كناية عنه ، وبينهما الوصف الجامع ، لأن الجماع لمس وزيادة ، فكان دالا عليه بالوضع المجازى هذه زبدة كلامه ، وفائدته ، وهو فاسد لأمور ثلاثة ، أما أولا فلأن هذا يبطل بالتشبيه ، فإنه اللفظ الدال على غير الوضع الحقيقي في وصف من الأوصاف ، كقولنا . كأن زيدا الأسد ، فأدخل فيه ما ليس منه ، وأما ثانيا فلأن الكناية لا تفتقر إلى ذكر جامع ، فإننا إذا قلنا فلان كثير رماد القدر ، وجعلنا هذا دلالة على كونه كريما ، فهو غير محتاج إلى ذكر « جامع » فاعتبار ذكر الجامع في الكناية يخرجها عن حقيقة وضعها ، ويبطل فائدتها ، وأما ثالثا فلأنه ذكر الكناية والمكنى في حد الكناية ، وهذا فيه تفسير الشئ بنفسه ، وإحالة بأحد المجهولين على الآخر ، فلا جرم كان باطلا .