يحيي بن حمزة العلوي اليمني
188
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
إشارة : اعلم أن ما ذكر ابن سراج المالكي في تعريف الكناية ، وإن كان أسلم مما حكاه ابن الأثير ، وأدخل في التحقيق ، لكنه لا يخلو عن نظر من وجهين ، أما أولا فلأن ما ذكره حاصل في الاستعارة في نحو قولك : رأيت الأسد ، ولقيت البحر ، فإنك تركت التصريح بقولك لقيني الشجاع إلى لفظ الأسد ، والكريم إلى لفظ البحر ، والكناية مخالفة للاستعارة في ماهيتها ، فلا يخلط أحدهما بالآخر ، وأما ثانيا فإن قوله : « إلى مساويه في اللزوم لينتقل منه إلى الملزوم » إن أراد بالملزوم ، المدلول ، فذكر المدلول أوضح ، فلا حاجة إلى العدول عنه ، وإن أراد به معنى آخر غير المدلول فهو خطأ لا فائدة فيه ، لأنه لا مشاركة بينهما إلا في مدلولهما لا غير ، ولهذا كان كناية عنه ، نعم إنما حمله على هذا هو أنه كان مولعا بممارسة المنطق ومعالجته ، فغلبت عليه عباراته ، « وما كل آذان تسمع القيل » فإن موضوع علم البيان هو الفصاحة والبلاغة ومعرفة أساليبهما ، وهما بمعزل عن علم المنطق ، فلا ينبغي أن يمزج أحدهما بالآخر لاختلاف حقائقهما . التعريف الرابع حكاه ابن الأثير عن بعض الأصوليين ولم أعرف قائله وهو مصدق فيما نقله ، قال في حد الكناية : إنها اللفظ الذي يحتمل الدلالة على المعنى ، وعلى خلافه ، وهذا فاسد لأمرين ، أما أولا فلأن ما قاله يبطل باللفظ المشترك في نحو قولك : قرء ، وشفق ، فإن كل واحد منها دال على معنى ، وعلى خلافه ، وأما ثانيا فلأن ما ذكره يبطل بالحقيقة والمجاز ، فإن قولنا : أسد ، وبحر ، كما يدل على ما وضع له بالحقيقة فهو دال على ما استعمل فيه من المجاز ، فيلزم أن يكون ما ذكرناه من الكناية ، وهو باطل ، فأما ابن الخطيب الرازي فما زاد في حد الكناية في كتابه نهاية الإيجاز على أن قال : هي اللفظ الدال على معنى مقصود مع ملاحظة معناه الأصلي . هذا ملخص كلامه ، ولم يورده على جهة التحديد ، وهذا فاسد بالاستعارة فإنها دالة على معنى مقصود مع ملاحظة معناها الأصلي ، فيلزم على ما قاله دخولها في الكناية ، ويبطل أيضا بالحقيقة مع مجازها ، فإنه ما من مجاز يدل على معنى إلا وهو دال على حقيقة ، وفي هذا دخول أنواع المجاز في الكناية ، وهذا باطل ، والعجب من إطلاقه هذا الإطلاق مع إدراكه لصناعة الحدود ، وتصوّنه عن النقوض ، وتبحره في علم الكلام .