يحيي بن حمزة العلوي اليمني
182
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
التشبيه بمطلق الدرر ، ولا بمطلق البساط ، وإنما الغرض النجوم في ضوئها وتلألئها إلى زرقة أديم السماء ، كبساط أزرق نثرت عليه درر صافية ، ونظير هذا القسم ، عقد من در وياقوت ، فهو إذا فصل واحدة واحدة ، فهو على حظ من الإعجاب ، وهو إذا نظم في سلك واحد ، فهو على حظ وافر من الزينة والحسن والنضارة . ومثال الثاني وهو ما يتعذر فيه الإفراد ، قوله تعالى : وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ [ إبراهيم : 26 ] فإن المقصود تشبيه كلمة موصوفة بالخبث بشجرة موصوفة بالخبث أيضا ، فلو سلبت الكلمة صفة الخبث قائلا ومثل كلمة كشجرة خبيثة ، أبطلت بلاغة الآية ، وأزلت عنها رونق الفصاحة ، ومن هذا قوله : كأنما المريخ والمشترى * قدامه في شامخ الرفعة منصرف بالليل عن دعوة * قد أسرجت قدامه شمعه فالغرض أن التشبيه لم يكن للمريخ على انفراده ، ولكن إنما حصل له من جهة الحالة الحاصلة له من كون المشترى قدامه ، ولهذا كانت الواو في قوله والمشترى قدامه ، واو الحال ، فهي كالصفة في كونها تابعة لا يمكن إفرادها بالذكر ، بل تذكر في ضمن الأول على طريق التبعية ، فلو أبطلت التركيب قائلا كأنما المريخ منصرف عن دعوة ، كان خلفا من الكلام فضلا عن أن يكون بليغا ، ونظير هذا القسم ، خاتم من فضة ، وسوار من ذهب ، فإنه لا يفيد الحسن والإعجاب إلا إذا كان مركبا منظما ، فإن زال تركيبه ونظامه ، خرج عن إعجابه وحسنه وبطل . الحكم الثالث اعلم أن من التشبيه ما يحضر في الذهن ويسهل إدراكه ، ويسمى القريب ، ومنه ما يحتاج إلى نوع فكرة وتأمل ، ويسمى الغريب ، ولنذكر الأمرين جميعا بالأمثلة . مثال الأول وهو القريب ، وذلك متى أخطرت ببالك استدارة قرص الشمس وتنورها وتموج ضوئها ، فإن المرآة المجلوة تقع في قلبك وتعرف من أول وهلة كونها مشبهة للشمس ، وهكذا إذا نظرت إلى السيف المصقول عند سله ، فإنك تذكر لمعان البرق ، فلهذا تشبيهه به ، وإذا رأيت الثياب الموشاة من الحرير في رقتها وصفائها ، وإحكام ألوانها ، فإنك تشبهها بالروض