يحيي بن حمزة العلوي اليمني
183
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الممطور ، المفتر عن أزهاره ، المبتسم عن أنواره ، فهذه الأمور وما شابهها تعد من التشبيه القريب كما ذكرناه ، ومثال الثاني وهو الغريب فهو الذي يحتاج في إدراكه إلى دقة نظر وقوة فكر ، وهذا نحو تشبيه الشمس بالمرآة في كف الأشل ، ومثل تشبيهها في التموج والإنارة بالبوتقة من الذهب ، ونحو تشبيه الخمر في الكأس في لونه ، بمداهن در حشوهن عقيق ، ومثل تشبيه حمرة الشقائق مع خضرة أعوادها ، بأعلام ياقوت منصوبة على رماح من زبرجد ، إلى غير ذلك مما يحتاج إلى مزيد فكرة ونظر . الحكم الرابع كل تشبيه على جميع أنواعه ، فلا بد فيه من اشتماله على أركان أربعة ، المشبه ، والمشبه به ، والوصف الجامع بينهما ، وكيفية التشبيه في قربه وبعده ، وكونه مفردا ومركبا ، ونادرا ومألوفا ، إلى غير ذلك ، فمتى كثرت الأوصاف ، كان أدخل في الغرابة وأعجب في مقاصد البلاغة ، وأقرب مثال له في اجتماع أوصاف التشبيه قوله تعالى : كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ [ يونس : 24 ] فالآية في نظمها مشتملة على عشر جمل ، كل واحدة منها على حظ من التشبيه ، ثم يكون التشبيه أيضا حاصلا من مجموعها من غير أن يمكن فصل بعضها عن بعض ، فإنك لو حذفت منها جملة واحدة ، تطرق الخرم إليها على قدر المحذوف ، وكان مخلا بمغزى التشبيه الذي قصد فيها ، وهكذا القول في الإفراد في التشبيه ، والتركيب ، فالإفراد نحو تشبيهك الكلام بالعسل ، في أن كل واحد منهما يوجب للنفس لذة وحالة محمودة ، والمركب كقولك : « أعط القوس باريها » فإنه ليس الغرض إعطاء مطلقا ، وإنما المقصود إعطاء من هو أهل للرماية ، ومنه قولهم « الرامي بغير وتر ، والساعي إلى الهيجاء بغير سلاح » ، فالتشبيه فيما هذا حاله مركب كما ترى . الحكم الخامس اعلم أن من جملة التشبيهات المركبة ما يظن لكثرة اتصاله أنه لا يمكن فصل بعضه عن بعض ، وليس الأمر كذلك ، وهذا كقول امرئ القيس : كأن قلوب الطير رطبا ويابسا * لدى وكرها العناب والحشف البالي