يحيي بن حمزة العلوي اليمني
178
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
كما قال امرؤ القيس : إذا ما الثريا في السماء تعرضت * تعرض أثناء الوشاح المفصل ودونه في التشبيه مشابهة العين بالنرجس في قوله : فأمطرت لؤلؤا من نرجس فمراتب التشبيه متفاوتة رقة وصفاء . الكيفية الثالثة إن المعاني العقلية وإن كانت ثابتة مقطوعا بها متيقنة ، خلا أن التمسك بالمحسوسات والتعويل عليها في المشابهة أولى وأحق ، لكونها تفيد زيادة قوة ومزيد إيضاح ، وإنما كان الأمر كما قلنا لأوجه ثلاثة . أما أولا فلما يحصل بها من الوثاقة واطمئنان النفس إليها ، وانشراح الصدر بها ، وقد أشار الله إلى ما قلناه بقوله تعالى : قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [ البقرة : 260 ] وأما ثانيا فلأنك إذا كنت بجانب نهر وأنت تريد أن تخبر بأن فعل صاحبك لا ثمرة له ولا يحصل منه على فائدة ، فوضعت كفك في الماء ورفعتها ، وقلت انظر إلى كفى ، هل حصل فيه شيء من الماء ، فهكذا أنت فيما تفعله وتعالجه كان في ذلك ضرب من التأثير والقوة والتأكيد أكثر مما في النطق والقول ، وما ذاك إلا من أجل تعقله بالإدراك ، وأما ثالثا فلأنك لو أردت ضرب مثال في تباين الشيئين وتنافيهما ، فأشرت إلى الماء والنار فقلت : هل هذان يجتمعان فإنك تجد في نفسك لتمثلك من التأثير ما لا تجده إذا أخبرت عن ذلك بالقول ، فقلت هل يجتمع الماء والنار كما قال بعضهم : ومكلف الأيام ضد طباعها * متطلب في الماء جذوة نار ومصداق ما ذكرناه هاهنا هو أنك تجد في قوله : ويوم كظل الرمح قصر طوله * دم الزق عنا واصطفاق المزاهر ما لا تجده في نحو قوله : في ليل صول تناهى العرض والطول * كأنما ليله بالليل موصول من مزيد القوة والتأكيد ، وما ذاك إلا لأن الأول مبنى على الإدراك دون الآخر مع أن الأول في المبالغة دون الثاني ، فإن ظل الرمح متناه واتصال ليل صول بالليل لا نهاية له ، ولكن الوجه في قوّته ما ذكرناه فيه .