يحيي بن حمزة العلوي اليمني

179

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الكيفية الرابعة هو أن العادة جارية والأساليب مطردة في تشبيه الأدنى بالأعلى والأقل بالأكثر ، والفاضل بالأفضل ، وقد يقصد البليغ في نظمه ونثره على جهة التخييل أن يوهم في الشئ القاصر عن نظيره أنه زائد عليه ، وعند هذا ينعكس الأمر فيجعل الأصل فرعا ، ويشبه الزائد بالناقص ويجعل الفرع لأجل المبالغة أعلى شأنا من الأصل ، فيرفعه إلى رتبة الأصل كما قال بعض الشعراء : وبدا الصباح كأن غرته * وجه الخليفة حين يمتدح فهذا على أنه جعل وجه الخليفة كأنه أعرف وأشهر وأتم وأكمل في النور والضياء من الصباح ، فلما اعتقد هذا وعزم عليه ساغ له جعل الصباح فرعا ووجه الخليفة أصلا ، وكما قال ابن المعتز : وكأنما الشمس المنيرة دينا * رجلته حدائد الضراب فهذا وأمثاله وإن عظم التفاوت فيه لكن الذي حسن منه هو أنه لم يقصد قصر التشبيه على مجرد الإنارة ، وإنما أراد تشبيه مستدير يتلألأ ويلمع ، ثم خصوص حسن اللون الموجود في الدينار المتخلص من حمى السبك ، فأما مقدار النور والشعاع العظيم فكأنه لم يتعرض له بحال . الكيفية الخامسة اعلم أن التشبيه كما يقع في المفرد فهو واقع في المركب فإذا قصدت إيقاع التشبيه بالمفرد ، فإنما تقصد إلى نفس تلك الحقيقة المجردة مع قطع النظر إلى غيرها ، وإذا قصدت التشبيه بالمركب . فإنما يؤول الأمر فيه إلى تشبيه مفردات بمفردات ، فلا جرم حصل التركيب لا محالة ، فأما تشبيه المفرد بالمفرد فمثاله في الحركة ، فإذا أوقعت التشبيه فأنت كما قال ابن المعتز في صفة البرق . وكأن البرق مصحف قار * فانطباقا مرة وانفتاحا فلم يقع التشبيه في جميع أوصاف البرق ومعانيه ، ولكن نظر إلى مجرد الحركة في الانبساط والانقباض ، وقد قصر تشبيهه على نفس الحركة ، ثم إنه قدر في نفسه لينظر أي أوصاف الحركة أخص ، فوجد ذلك في فعل القارئ بأوراق المصحف من فتحها مرة ،