يحيي بن حمزة العلوي اليمني
171
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
المنية نحوكم رانية ، وكأنكم بمخالبها وقد نشبت فيكم ، وقد دهمتكم فيها مفظعات الأمور ، ومضلعات المحذور ، فقطعوا علائق الدنيا ، واستظهروا بزاد التقوى . وأقول « إن هذا الكلام ليأخذ بمجامع القلوب إلى رفض الدنيا لو كان له قبول ، أو صادفته آذان ، أو وعته عقول » وقوله عليه السلام في خطاب لمعاوية يوبخه فيه « فيا عجبا للدهر إذ صرت تقرن بي من لم يسع بقدمى ولم يكن له كسابقتى التي لا يدلى بها أحد مثلي ، إلا أن يدعى مدع مالا أعرفه ، ولا أظن أن الله يعرفه ، فالحمد لله على كل حال » . وقال في مخاطبة أهل البصرة « والله لئن ألجأتمونى إلى المسير إليكم ، لأوقعن بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق » . وقال في خطاب آخر لمعاوية « فكأني بك وقد رأيتك تضج من الحرب إذا عضتك ضجيج الجمال بالأثقال ، وكأني بجماعتك يدعونني جزعا من الضرب المتتابع ، والقضاء الواقع ، ومصارع بعد مصارع ، إلى كتاب الله وهي كافرة جاحدة ، أو متابعة حائدة » . فأما التشبيهات التي أضمرت فيها أداة التشبيه فيه في كلامه أوسع مما ظهرت فيه الأداة ، وقد ذكرنا من قبل أن التشبيه مهما خفى أمره فهو أدخل في حسن الاستعارة ، فمن ذلك قوله عليه السلام « رحم الله امرأ ألجم نفسه بلجامها ، وزمامها ، فأمسكها عن معاصي الله وقادها بزمامها إلى طاعة الله » فالتشبيه في مثل هذا يمكن تقديره ، لأنك إذا أظهرت أداة التشبيه لم يخرج الكلام عن فصاحته ، ومما تظهر فيه أداة التشبيه على قرب وسهولة ، قوله في صفة الأرض « فجعلها لخلقه مهادا ، وبسطها لهم فراشا ، فوق بحر لجي راكد لا يجرى » كأنه قال كالمهاد ، والفراش . ومما يصعب فيه تقدير أداة التشبيه فيكون استعارة محضة قوله عليه السلام في التقوى أيقظوا بها نومكم ، واقطعوا بها يومكم ، وأشعروا بها قلوبكم ، وارحضوا بها ذنوبكم ، وداووا بها الأسقام ، وبادروا بها الحمام ، ألا وصونوها ، وتصونوا بها » فهذه استعارات حسنة ، ومعان دقيقة ، إذا قدرت فيها أداة التشبيه ، وخرج الكلام عن رونقه ، وتبدل عن دباجته ، وقال في أهل البدع هم أساس الفسوق ، وأحلاس العقوق ، اتخذهم إبليس مطايا ضلال ، وتراجمة ينطق على ألسنتهم فجعلهم مرمى نبله ، وموطئ قدمه ، ومأخذ يده » . وقال في صفة الدنيا « حالها انتقال ، ووطأتها زلزال ، وعزها ذل ، وجدها هزل ، وعلوها سفل ، دار حرب وسلب ، ونهب وعطب ، أهلها على ساق وسياق ،