يحيي بن حمزة العلوي اليمني

170

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

نظر ، ومن هذا قوله عليه الصلاة والسلام « ما سكن حب الدنيا قلب عبد إلا التاط منها بثلاث ، شغل لا ينفك عناؤه ، وفقر لا يدرك غناه ، وأمل لا ينال منتهاه » ، فانظر إلى ما اشتمل عليه هذا الكلام من بالغ الحكمة وعظيم الزجر ونافع الوعظ ، وتلطف على تقرير التشبيه فيه بنوع احتيال وتلطف ، كأنه قال إذا تمكن حب الدنيا من قلب العبد فكأنه الحال الساكن فيه ، ثم إذا كان ساكنا فيه فهذه الخصال الثلاث كالملتاطة المختلطة لعظم شغفهم بها وتمكنها من سويداء قلوبهم . وقوله ما دام رسنه مرخى ، وحبله على غاربه ملقى ، فهذا وأمثاله مما يدق تقرير الأداة فيه إلا بنوع تقدير كما أسلفنا تقريره . النوع الثالث من كلام أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، فمن التشبيهات الظاهرة التي أخذت من البلاغة بحظ وافر ، وخصت بالقدح القامر قوله في أثناء الوعظ « وضع فخرك ، واحطط كبرك ، واذكر قبرك ، فإن عليه ممرك ، وكما تدين تدان ، وكما تزرع تحصد ، وما قدمته اليوم تقدم عليه غدا فامهد لقدمك ، وقدم ليومك » . فتأمل أيها الناظر موقع قوله ، كما تدين تدان وكما تزرع تحصد ، ما أغرقه في معاني التشبيه ، وما أكثر رسوخه في مواقع التنبيه . وكقوله في خلقة الخفاش واشتمالها على العجائب من الحكمة « وجعل لها أجنحة من لحمها تعرج بها عند الحاجة إلى الطيران ، كأنها شظايا الآذان ، غير ذوات ريش ولا قصب ، إلا أنك ترى موضع العروق بينة أعلاما ، لها جناحان لما يرق فينشقا ، ولما يغلظا فيثقلا » وكما قال في صفة الفتنة « تمتد في مدارج خفية ، وتؤول إلى فظاعة جلية ، شبابها كشباب الغلام ، وآثارها كآثار السلام ، يهرب منها الأكياس ، ويديرها الأرجاس . وكقوله في وصف الجاهل « إن دعى إلى حرث الدنيا عمل ، وإن دعى إلى حرث الآخرة كسل ، كأن ما عمل له واجب عليه ، وكأن ما ونى فيه ساقط عنه » وقوله عليه السلام : « سيأتي على الناس زمان يكفأ فيه الإسلام ، كما يكفأ الإناء » فما أبلغ موقع هذه الكلمة مع اشتمالها على نظام عجيب ، وتأليف بديع ، ومعناه أنه ينقلب ظهرا لبطن في انعكاس حاله وانقلاب أمره . فأما التشبيهات المركبة فهي كثيرة في كلامه كقوله عليه السلام في وصف الأولياء « عظم الخالق في أنفسهم ، فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن رآها فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها ، فهم فيها معذبون » وقوله في وصف المنية « واعلموا أن ملاحظ