يحيي بن حمزة العلوي اليمني
160
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
لتكريره ، ونحن الآن نذكر كل صورة من صور التشبيه المضمر الأداة ، ونردفها بمثالها من المفرد ، والمركب ، ونطبق أحدهما على الآخر ، فيحصل الأمران جميعا في كل صورة من صوره المذكورة بمعونة الله تعالى . الصورة الأولى ما يقع موقع المبتدأ والخبر المفردين كقولك : زيد الأسد ، والأسد زيد ، وزيد أسد ، وقد يأتي على جهة الفاعل كقولك : جاءني الأسد ، وكلمني الأسد ، وقد يأتي على جهة المفعول كقولك : رأيت الأسد : ولقيت البحر ، فما هذا حاله من الاستعارة التي لا تظهر فيها أداة التشبيه يعرف ببديهة النظر على قرب من غير حاجة إلى تأمل ونظر ، ولهذا تقول فيه زيد كالأسد ، وكالأسد زيد ، ولا تحتاج إلى تكلف وإضمار . الصورة الثانية أن يقع المبتدأ ويكون الخبر مضافا إليه ، مثاله قوله عليه السلام « الكمأة جدرى الأرض » وكقولك : إقدامه إقدام الأسد ، وفيضه بجوده فيض البحر ، والكمأة ضرب من النبات ، إذا أخرج في الأرض ، أفسدها ، ونقص زرعها ، وهذا هو مراد الرسول بقوله « جدرى الأرض » أراد أنها مفسدة للأرض ، كما يفسد الجدري البدن ، وهي نبت يؤكل ، وهو بارد مولّد للبلغم ، ويقال أكمأت الأرض ، إذا أنبتت الكمأة ، وتكمأت إذا أكلت الكمأة . الصورة الثالثة أن يقع موقع المبتدأ والخبر من جهة تركيبهما جميعا فتركب المبتدأ بالإضافة وتركب الخبر مثل ذلك ، فتركيب الإضافة حاصل فيهما جميعا ، بخلاف الصورة الثانية ، فإن التركيب إنما وقع بالإضافة في الخبر لا غير ، ومثال هذا الحديث الوارد عن الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كما رواه ابن عمر رضي الله عنه حين قال له معاذ بن جبل « أنؤاخذ بما نتكلم ، فقال : وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم » « 1 » فالتقدير على هذا يكون : كلام الألسنة كحصائد المناجل ، وحصد المنجل جزه ، والمنجل حديدة حادة يقلم بها البيطار حافر الفرس ، فعلى هذا حصيدة اللسان طرفه .
--> ( 1 ) الحديث صحيح رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه الألبانى في صحيح الجامع 5136 ، 1643 .