يحيي بن حمزة العلوي اليمني

161

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الصورة الرابعة ما يرد على جهة الفعل والفاعل ، ومثاله قوله تعالى : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ [ الحشر : 9 ] والتقدير على هذا في ظهور التشبيه ، أن يقال : إنهم في الحقيقة لما تمكنوا في الإيمان واطمأنوا أفئدة به ، كأنهم في التقدير اتخذوه مباءة ومسكنا ، كما يتخذ الإنسان داره وبيته الذي يسكن فيه ويكاد في هذا الاستعارة يضعف تقدير أداة التشبيه كما سنقرر مراتب التشبيه في الظهور والإخفاء بمعونة الله تعالى . الصورة الخامسة أن يكون واقعا موقع المثل المضروب ، وهذا كقول الفرزدق يهجو جريرا : ما ضرّ تغلب وائل أهجوتها * أم بلت حيث تناطح البحران فشبه هجاء جرير تغلب وائل ببوله في مجتمع البحرين ، فما عسى أن يؤثر فيهما شيء ، فهكذا هجاؤك هؤلاء القوم لا يؤثر أصلا ، فيكاد التشبيه في ما هذا حاله لا يظهر إلا بتقدير وتلطف واحتيال في إبرازه ، فإذا تمهدت هذه القاعدة فلنذكر مراتب التشبيه في هذه الصورة ، ثم نردفه بموقعها في المفرد والمركب فهذان طرفان نحقق ما فيهما بمعونة الله تعالى . الطرف الأول في بيان مراتب التشبيه في هذه الصورة اعلم أن التشبيه المضمر الأداة أبلغ وأوجز من التشبيه الذي ظهرت أداته ، أما كونه أبلغ فلأنك إذا قلت : زيد الأسد ، فقد جعلته نفس هذه الحقيقة ، من غير واسطة ، بخلاف قولك زيد كالأسد ، فليس يفيد إلا مطلق المشابهة لا غير ، وأما كونه أوجز ، فلأن أداة التشبيه محذوفة منه ، فلهذا كان أخصر من جهة لفظه ، وعن هذا قال المحققون من أهل هذه الصناعة : إن الاستعارة أبلغ من التشبيه لما ذكرناه ، ولا خلاف في عد الاستعارة من باب المجاز بخلاف التشبيه ، فإنه مختلف في عده كما أسلفناه ، ولأن الاستعارات في القرآن أكثر من التشبيهات ، ومن أجل هذا عظمت بلاغته ، وارتفعت فصاحته ، فنقول : التشبيه المضمر الأداة هو في الظاهر يعد من باب الاستعارة ، ولكن التشبيه مضمر فيه ، ويتفاوت