يحيي بن حمزة العلوي اليمني
159
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
بأعجاز النساء ، وإنما قصد بذلك المبالغة في أن هذا المعنى قد صار ثابتا للنساء بحيث لا يتمارى فيه أحد ، فلا جرم كان أصلا في التقرير ، وغيره فرعا له ، وقد تابعه البحتري على هذا في قوله : في طلعة البدر شيء من محاسنها * وللقضيب نصيب من تثنيها فالعادة جارية على جهة الاطراد في تشبيه الوجوه الحسنة بالبدور ، فعكس البحتري هذه القضية ، وشبه البدر بها ، مبالغة في الأمر ، وتعظيما لشأنها ، ومن هذا القبيل ما قاله عبد الله بن المعتز في قصيدته المشهورة التي مطلعها : سقى الجزيرة ذات الظل والشجر ، فقال منها : ولاح ضوء هلال كاد يفضحنا * مثل القلامة إذ قصت من الظفر فالجارى في الاطراد ، هو تشبيه القلامة من الظفر بالهلال في نحولها ، وتقوسها ، واعوجاجها ، فعكس ابن المعتز ذلك ، وشبه الهلال بالقلامة ، مبالغة ودخولا وإغراقا من جهته في التشبيه كما هو دأبة وهجّيراه ، وعادته المألوفة في الخمريات وغيرها ، فحاصل الأمر فيما ذكرناه من تشبيه العكس أن جريه إنما يكون فيما قد ألف وعرف حاله ، فلهذا لم يلتبس حاله ، فأما ما لا يعرف حاله ولا يؤلف فلا يجرى فيه ، فإن جرى فعلى القلة والندور ، ويكون من التشبيه المهجور الذي قد بعد عن البلاغة ، ونأى بعض النأى عن استعمال الفصحاء . التقسيم الرابع باعتبار أداته إلى ما تكون أداة التشبيه ظاهرة ، وهي الكاف وكأن ، وإلى ما تكون مضمرة فيه ، وكل واحد منهما معدود من التشبيه ، فهذان ضربان نذكر ما يتوجه في كل ضرب منهما . الضرب الأول ما تكون الأداة فيه مضمرة اعلم أنا قد أسلفنا فيما مر أن كل ما كان من التشبيه مضمر الأداة ، فهل يعد من الاستعارة ، أو يكون معدودا من أنواع التشبيه ، وذكرنا خلاف علماء البيان فيه ، وحققنا أن المختار فيه أن كل ما كان تقدير التشبيه يخرجه عن حد البلاغة وجب عده من باب الاستعارة ، وكل ما كان تقدير التشبيه لا يخرجه عن حد البلاغة فهو من التشبيه ، فلا وجه