يحيي بن حمزة العلوي اليمني
154
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
شرف ينطح النجوم بروقي * ه وعز يقلقل الأجبالا فذكر الروق ليس جيدا في المديح ، وكذا لفظ المناطحة ليس فصيحا ولا دالا على البلاغة . ومن العجب أنه قال في مطلع هذه القصيدة ما يروق الناظر ، ويشوق القلب والخاطر : ذي المعالي فليعلون من تعالى * هكذا هكذا وإلا فلا لا فالتفاوت ما بين الشيئين يدركه كل من له ذوق سليم وطبع في الفصاحة مستقيم ، فلقد جمع في هذا بين وردة ، وسعدانة ، لا بل بين بعرة ومرجانة . ومن البشع المستنكر في التشبيه ما قاله بعض الشعراء : ملا حاجبيك الشيب حتى كأنه * ظباء جرى منها سنيح وبارح وهكذا ورد قول آخر في صفة السهام : كساها رطيب الرصف فاعتدلت له * قداح كأعناق الظباء الفوارق فما هذا حاله لا ملائمة بين المشبه والمشبه به ، وهما في غاية البعد . الوجه الثاني ما كان مضمر الأداة فمن ذلك ما قاله أبو تمام يمدح رجلا : وتقاسم الناس السخاء مجزأ * فذهبت أنت برأسه وسنامه وتركت للناس الإهاب وما بقي * من فرثه وعروقه وعظامه فأما البيت الأول فهون فيه وليس وراءه كبير معنى ولا بليغه ، فإن حاصله أنك ذهبت بالأعلى من السخاء وتركت للناس الأدنى ، والبيت الثاني أرك وأنزل في البلاغة . ومن ذلك ما قاله أيضا في غير هذا الموضع . لا تسقني ماء الملام فإنني * صب قد استعذبت ماء بكائي فما هذا حاله ليس فاحشا ولا بليغا ، وإنما هو متوسط كما قال ابن الأثير ، وهو كما قال ، فإنه وإن نزل فيما أورده من التشبيه فليس خاليّا عن بلاغة في معناه وجزالة في لفظه . ويحكى أن رجلا لما سمع هذا البيت لأبى تمام بعث إليه بقارورة ، وقال هب لي شيئا من ماء الملام فقال له أبو تمام ابعث لي بريشة من جناح الذل ، حتى أبعث لك ماء الملام ، ليس مراد أبى تمام المماثلة بينه وبين التشبيه في قوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ الإسراء : 24 ] فإن بينهما بونا لا تدرك غايته ، وبعدا لا تقطع مسافته ، وإنما أراد أن الاستعارة جارية في الماء كجريها في الجناح ، وهذا مقصد جيد لا غبار على أبى تمام فيه .