يحيي بن حمزة العلوي اليمني

155

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الضرب الثاني ما حسن في الصورة من التشبيه ، [ التشبيه الحسن ] وهذا باب عظيم ، قد اتسع فيه كلام البلغاء وأتوا فيه بكل حسن بديع ، وتهالكوا في دقة المعاني ، ولطائف التشبيه ، فمن ذلك ما قال امرؤ القيس في صفة الفرس : على الذيل جياش كأن اهتزامه * إذا جاش فيه حميه غلى مرجل وقوله : درير كخذروف الوليد أمرّه * تتابع كفيه بخيط موصل ومن ذلك ما قاله ابن دريد في صفة الفرس أيضا : كأنما الجوزاء في أرساغه * والنجم في جبهته إذا بدا وقال في صفة ماء خال : كأنما الريش على أرجائه * زرق نصال أرهفت لتمتها ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبي في سيف الدولة وابنه : أما ترى ما أراه أيها الملك * كأننا في سماء ما لها حبك الفرقد ابنك والمصباح صاحبه * وأنت بدر الدجى والمجلس الفلك وقال يمدح سيف الدولة : أرى كل ذي ملك إليك مصيره * كأنك بحر والملوك جداول وقال فيه أيضا : ولا ملك إلا أنت والملك فضلة * كأنك نصل فيه وهو قراب ومن رقيق التشبيه وبديعه ما قاله الصابى في صفة الخمر : كأن المدير لها باليمين * إذا طاف بالكأس أو باليسار تدرع ثوبا من الياسمين * له فردكمّ من الجلّنار فشبه حمرة كميه عند حمله للكأس من لونها ، بلابس قميصا من الياسمين إحدى كميه من الجلنار ، وهذا تشبيه حسن بالغ ، ومن أبياته يشبه فيها مجلس اللهو بالمعركة قال : كأن المجامر خيل جرت * وقد ثار للند فيها غبار دبادبة من طوال القيان * والناى بوق له مستعار ومجلسنا حومة أرهجت * لزحف الندامى إليها بدار ولنقتصر على هذا القدر من محاسن التشبيه ففيه غنية وكفاية لمقدار غرضنا ، وستكون لنا فيه عودة عند ذكر الأمثلة بمعونة الله تعالى .