يحيي بن حمزة العلوي اليمني
153
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
الضرب الأول فيما يكون بعيدا ، فيذم ويستقبح ، [ التشبيه القبيح ] وإنما قدمنا الكلام على ما يكون مذموما ، لأجل قلته وندوره ، وأكثرها جار على اللطافة والرقة . ثم هو على وجهين في قبحه ، الوجه الأول منهما ما كان مظهر الأداة فمن ذلك قول أبى نواس في وصفه الخمر : كأن يواقيتا رواكد حولها * وزرق سنانير تدير عيونها فما هذا حاله من التشبيه مع ما فيه من البعد والركة ، فقد اشتمل على نوع غثاثة وسخف في لفظه وبشاعة ، ومن العجب أنه في هذه القصيدة قد قرنه بالفائق الرائق ، والبديع النادر ، الذي أجاد فيه وأحسن وهو قوله : كأنا حلول بين أكناف روضة * إذا ما سلبناها مع الليل طينها يعنى إذا فضوا ختام الدنان الخمرية عن أفواهها ، فكأنها في روضة من الرياض لما يحصل في نفوسهم عند ذاك من الارتياح والطرب ، فانظر كيف قرن بين حرزه ، لا بل بين بعره وعنبره ، ومما أساء فيه من التشبيه قوله : وإذا ما الماء واقعها * أظهرت شكلا من الغزل لؤلؤات ينحدرن بها * كانحدار الذر من جبل فشبه حبب الخمر في انحداره بنمل صغار ينحدرن من جبل ، فأين هذا من قوله في صفة الخمر : كأن صغرى وكبرى من فواقعها * حصباء در على أرض من الذهب ولقد أكثر من الخمريات حتى أتى فيها بما يخجل الأذهان ، وبما ينزل قدره في الإيمان . ومن بعيد التشبيه ما قاله الفرزدق : يمشون في حلق الحديد كما مشت * جرب الجمال بها الكحيل المشعل فشبه الرجل في دروع الزرد ، بالجمال الجرب ، وهذا من التشبيه البعيد لأنه إن أراد السواد فلا مقاربة بينهما في اللون ، فإن لون الحديد أبيض ، ومع ما فيه من البعد ، ففيه أيضا سخف وغثاثة ، ومن بعيد التشبيه ما أثر عن أبي الطيب المتنبي : وجرى على الورق النجيع القانى * فكأنه النارنج في الأغصان فما هذا حاله من التشبيه قد أنكره أهل هذه الصناعة ، ووسموه بالنزول والشناعة ، ومن رديء التشبيه ما قاله في بعض القصائد السيفية :