يحيي بن حمزة العلوي اليمني
130
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
( الاختيار الأول ) نصره في أسرار البلاغة ، وهو أن ما هذا حاله من المجاز يكون مجازا لغويا ، وحجته على ذلك هو أنا إذا أجرينا اسم الأسد على الرجل الشجاع فإنما نجريه بطريق التأويل ، فلأجل هذا كان ما ذكرناه استعمالا للأسد في غير موضوعه ، ويؤيد ما ذكرناه ويزيده وضوحا هو أنا إذا أطلقنا على الرجل اسم الأسد فإنما كان ذلك الإطلاق من أجل اختصاصه بالشجاعة ، ولا ندعى للرجل صورة الأسد وشكله وهيئته وتأليفه ، واسم الأسد ليس موضوعا على معنى الشجاعة وحدها ، بل هو موضوع على تمام هذه الهيئة وكمالها ، فإذا أجرينا عليه اسم الأسد تبعا لثبوت صفة الشجاعة ، فقد سلبنا عن الصيغة بعض ما كان مندرجا تحتها في أصل وضعها من الشكل والهيئة وتدوير الوجه ، وعرض المقادم ، ودقة المآخير فيكون نقلا لها عما وضعت له في الأصل . ( الاختيار الثاني ) نصره في دلائل الإعجاز ، وتقرير كلامه : أنه قد كثر كلام الناس في أن الاستعارة لفظة منقولة عن موضوعها الأصلي ، وهو خطأ ، وبيانه أنك لا تطلق لفظ الأسد على الرجل إلا بعد أن تعتقد أنه بصفة الأسد وشكله وهيئته ، وتتصوره بجميع صفاته ، فلما كان الأمر كما قلناه فأنت لم تنقل لفظة الأسد عما كانت موضوعة له في الأصل . لأنك إنما تكون ناقلا لها إذا لم تقصد معناها الأصلي ، فأما إذا كنت قاصدا له فلا وجه لكونها منقولة ، فلأجل هذا قضينا بكون هذا المجاز عقليا ، فهذا تقرير كلامه هاهنا ، وإلى كون هذا المجاز عقليا ذهب ابن الخطيب الرازي ، واختار ما قرره عبد القاهر في دلائل الإعجاز ، والمختار عندنا ما نصره في أسرار البلاغة من كونه لغويا ، ومعتمدنا في ذلك أمران ، أحدهما أن القائل إذا قال لقيني الأسد ، وجاءني الأسد ، فالسابق إلى الفهم من هذا هو أنه جاءه رجل بالغ في الشجاعة كل مبلغ ليس فوقها رتبة لأنه شاكل الأسد في شجاعته لا غير ، وليس الغرض حصوله على هيئة الأسد ، في تدوير الهامة ، وحدة الأنياب ، وطول البراثن ، إلى غير ذلك من الصفات ، وإنما الغرض إحراز وصف الشجاعة دون غيره من الصفات . وثانيهما أنه لو كان الغرض من إطلاق لفظ الأسد أنه لا بدّ من إحراز جميع أوصافه ومعانيه ، لكان إذا جردنا الاستعارة فقلنا جاءني أسد يضحك ، ورأيت أسدا له عقل