يحيي بن حمزة العلوي اليمني

129

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

بحقيقة الآساد ، وأما ثالثا فلقوله تعالى : وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً [ الزخرف : 19 ] فظاهر الآية مشعر بأنهم أثبتوا للملائكة صفة الأنوثة ، فلأجل هذا الاعتقاد سموهم باسم الإناث ، وليس الغرض إطلاق اسم البنات عليهم من غير اعتقاد معنى الأنوثة ، ولهذا قال تعالى : أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ [ الزخرف : 19 ] فلو لم يعتقدوا الأنوثة لكان لا وجه للمبالغة في التنكير عليهم في ذلك ، وظهر بما لخصناه أن المبالغة في الاستعارة بإثبات المعنى أولا ثم يتلوه اللفظ في الاستعارة كما حققناه . الحكم الثاني في المجاز بالاستعارة هل يكون عقليا أو لغويا اعلم أن المجاز في الاستعارة يرد على نوعين ، النوع الأول منها مركب وهذا كقولنا أحياني اكتحالى بطلعتك ، وقوله : أشاب الصغير وأفنى الكبير * كر الغداة ومر العشى فإسناد الإشابة والإفناء إلى الكر والمر إنما كان على جهة التجوز بالاستعارة ، والحقيقة فيه هو الإضافة إلى الله تعالى لأنه في الحقيقة هو الفاعل لذلك فإسناده إلى قدرة الله تعالى هو حكم ذاتي ، لا من جهة وضع واضع ، فإذا أسندناه إلى غيره ، فقد نقلناه عما كان مستحقا له لذاته في الأصل ، وعلى هذا يكون التصرف عقليا ، فهذا هو مراد علماء البيان بكون المجاز المركب عقليا ، فما هذا حاله من الاستعارة لا يختلفون في تسميته مجازا عقليا ، على التقرير الذي لخصناه ، هذا تقرير كلام الناظر من أهل هذه الصناعة ، والمختار أن المجاز لا مدخل له في الأحكام العقلية ، ولا وجه لتسمية المجاز بكونه عقليا ، لأن ما هذا حاله إنما يتعلق بالأوضاع اللغوية دون الأحكام العقلية ، وإذا كان الأمر كما حققناه من تعذر المجاز في العقل فنقول : إن صيغة « أشاب وأفنى » موضوعتان للإسناد إلى الفاعل المختار القادر ، فإذا وجدناهما على الإسناد إلى غيره نحو « كر الغداة ومر العشى » عرفنا بذلك أنهما قد استعملا في غير موضوعهما الأصلي اللغوي ، وعلى هذا التقرير يكون المجاز المركب لغويا حيث وقع من غير حاجة إلى كونه عقليا . ( النوع الثاني ) مفرد وهذا كقولنا : لقيت أسدا ، وجاءني أسد ، فما هذا حاله من الاستعارات قد وقع فيه خلاف ، وتردد فيه نظر الشيخ عبد القاهر الجرجاني ، وله فيه اختياران .