يحيي بن حمزة العلوي اليمني

127

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الْغَيْظِ [ الملك : 8 ] فالغيظ أمر معقول مستعار للحالة المتوهمة للنار . أجارنا الله منها . لإرادة الانتقام بلسان الحال من العصاة . الوجه الثالث استعارة المحسوس للمعقول وهذا كقوله تعالى : بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ [ الأنبياء : 18 ] فالقذف ، والدمغ ، أمران معقولان مستعاران من صفات الأجسام ، والمستعار له الحق ، والباطل ، والجامع هو الإعدام والإذهاب ومنه قوله تعالى وَزُلْزِلُوا [ البقرة : 214 ] فأصل الزلزلة التحريك بالعنف والشدة ، ثم يستعار لشدة ما نالهم من العذاب . ومنه قوله تعالى : فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ [ الحجر : 94 ] الأصل في الصدع هو الانشقاق للقارورة وغيرها . ومنه قوله تعالى : فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ [ آل عمران : 187 ] فالنبذ في الأصل يستعمل في إلقاء الشئ عن اليد ، ثم استعير في الأمر المعقول عنه المتناسى حاله ، والجامع بينهما اشتراكهما في الزوال عن التحفظ والإيقاظ . الوجه الرابع استعارة المعقول للمحسوس وهذا كقوله تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ [ الحاقة : 11 ] المستعار منه التكبر والعلو ، والمستعار له هو ظهور الماء ، والجامع بينهما خروج الحد في الاستعلاء المضر ، ومنه قوله تعالى : بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ [ الحاقة : 6 ] فالعتو مستعار من التكبر والشموخ ، والمستعار له هو الريح ، والجامع بينهما هو الإضرار البالغ . ومنه قوله تعالى : تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ [ الملك : 8 ] فالتميز من الغيظ استعاره ، استعير للنار والجامع بينهما شدة التلهب والاضطراب كما قال تعالى : سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً [ الفرقان : 12 ] ومنه قوله تعالى : حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها [ محمد : 4 ] فالوضع والوزر معنيان معقولان ، استعيرا للحرب وهي محسوسة . تنبيه اعلم أن في الاستعارة ما يكون معدودا في التهكم ، وحاصل الاستعارة التهكمية ، أن تستعمل الألفاظ الدالة على المدح في نقائضها من الذم والإهانة تهكما بالمخاطب ، وإنزالا لقدره ، وحطا منه وهذا كقوله تعالى : إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ [ هود : 87 ] مكان