يحيي بن حمزة العلوي اليمني
124
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
التقسيم الثالث باعتبار حكمها إلى حسنة وقبيحة اعلم أن الاستعارة إنما يظهر حسنها إذا عريت عن أداة التشبيه ، وكلما ازداد التشبيه خفاء ازدادت حسنا ورشاقة ، وكانت متضمنة للبلاغة مع الإيجاز ، وجودة النظم وحسن السياق ، والقبيح منها ما خالف ما ذكرناه من هذه الاعتبارات . فأما الاستعارة الرائقة فكقوله تعالى : وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا [ طه : 131 ] فانظر إلى استعارة مد العين لإحراز محاسن الدنيا والشغف بحبها ، والتهالك في جمع حطامها ، والشح بما ظفر به منها وبين المد للعين ، وهذه الأشياء ، من الملائمة ، والتناسب ما لا يخفى على أهل الكياسة ، وهكذا قوله تعالى : زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا فاستعار الزهرة لما يظهر من زينة الدنيا ورونقها ، وإدراك لذاتها كالزهر إذا تفتح وأعجبت غضارته وحسن بهجته ومن أعظمها إعجابا قوله صلّى اللّه عليه وسلّم في وصف القرآن « من جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار » فاستعار الأمام ، والخلف للعمل بأحكامه والإعراض عنها ثم جعل الانقياد إلى الأمور المحبوبة وصير السوق إلى الأمور المكروهة ، ومما يشير إلى هذا المعنى قول أمير المؤمنين « تخففوا تلحقوا » وقوله : « فإن السبقة الجنة ، وإن الغاية النار » فقوله تخففوا تلحقوا ، من الكلام الذي لا تنال له غاية ، ولا يدرك له حد ولا نهاية ، ثم إنه جعل السبقة ، لما يراد ويجب ، وجعل الغاية لما يكره ويعرض عنه . ومن جيدها قوله : ولما قضينا من منى كل حاجة * ومسح بالأركان من هو ماسح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا * وسالت بأعناق المطى الأباطح والغرض بهذا هو أن الإبل سارت سيرا شديدا في سرعة مع اختصاصه بلين وسلاسة ، حتى كأنها سيول وقعت في الأباطح فجرت . ومن غريبها ما قاله بعض الشعراء : قوم إذا لبسوا الدروع حسبتها * سحبا مزررة على أقمار