يحيي بن حمزة العلوي اليمني

125

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

لو أشرعوا أيمانهم من طولها * طعنوا بها عوض القنا الخطار ودحوا فويق الأرض أرضا من دم * ثم انثنوا فبنوا سماء غبار فهذا وما شاكله من أحسن الاستعارات وأرقها ، وقال بعضهم يرثى ولدا له : إن تحتقر صغرا فرب مفخم * يبدو ضئيل الشخص للنظار إن الكواكب في علو مكانها * لترى صغارا وهي غير صغار فهكذا يكون حال الاستعارة الحسنة . فأما الاستعارة القبيحة فهي كل ما كان لا مناسبة بينها وبين المستعار له فيقبح لأجل ذلك ، وهذا كقول أبى نواس : بح صوت المال مما * منك يشكو ويصيح فهذا وأمثاله من الاستعارة الركيكة النازلة القدر في البلاغة ، ومراده من هذا هو أن المال يتظلم من إهانته له بالتمزيق بالإعطاء فالمعنى جيد ، والعبارة قبيحة لا تلوح فيها مخايل البلاغة بحال . ومنه قوله أيضا : ما لرجل المال أضحت * تشتكي منها الكلالا فهذا أيضا أرك من الأول وأنزل قدرا وأسخف . وما أعجب ما قاله مسلم بن الوليد في هذا المعنى : تظلّم المال والأعداء من يده * لا زال للمال والأعداء ظلاما فالمقصود من هذا له ولأبى نواس واحد ، ولكنه فاق عليه بجودة الانتظام وحسن السبك ، فكان بليغا فصيحا . ومن ضعيف الاستعارة قول أبى تمام : بلوناك أما كعب عرضك في العلى * فعال وأما خد مالك أسفل فمراده من هذا أن عرضك مصون ومالك مبتذل ، لكنه أخرجه أقبح مخرج ، وساقه سياقا مستكرها ، فانظر إلى قوله كعب عرضك ، وخذ مالك ، ما أبعده عن طرق البلاغة وأسخف قدره فيها . ومما نزل قدره قول بعضهم : ( أيا من رمى قلبي بسهم فأولجا ) فقوله فأولجا من الاستعارات النازلة وهكذا لو قال فأدخلا ، ولو قال بدله فأقصدا أو فأنفذا ، لكان له موقع حسن في الاستعارة . فهذه الأمور « إذن » تعرف بالذهن الصافي ، ويحكم فيها الذوق المعتدل . وفي ما ذكرناه كفاية في التنبيه على ما أردنا من ذلك على غيره .