يحيي بن حمزة العلوي اليمني
123
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
لا يقال فأراه لما قال « أذاقها » فلم لم يقل طعم الجوع والخوف ليلائم قوله « فأذاقها » ؟ ولم قال لباس الجوع وبين اللباس والطعام تنافر ؟ لأنا نقول إن الطعم وإن كان ملائما للإذاقة ، لكنه لو ذكره لما كان مقويا لبيان اشتمال الجوع والخوف لهم ، وعموم أثرهما على جميع البدن ، كما تعم الملابس وتغطي جميع البدن ، فلا جرم حصل من لفظ الإذاقة المبالغة في إدراك ألم الجوع والخوف بالإدراك بآلة الذوق ، وحصل من لفظ اللباس المبالغة في العموم والاشتمال ، فلأجل هذا كان الأولى ذكر اللباس ليحصل المعنيان جميعا » ، فأما الاستعارة الموشحة ، فإنما سميت بهذا الاسم ، لأنك إذا قلت : « رأيت أسدا وافر الأظفار منكر الزئير دامى الأنياب » فقد ذكرت لازم اللفظ المستعار وذكرت خصائصه فوشحت هذه الاستعارة ، وزينتها بما ذكرته من لوازمها وأحكامها الخاصة ، أخذا لها من التوشيح ، وهو ترصيع الجلد بالجواهر واللآلئ تحمله المرأة من عاتقها إلى كشحها ، وهذا هو الوشاح ، واشتقاق التوشيح للاستعارة منه ، ومثالها قوله تعالى : اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى [ البقرة : 16 ] ثم قال على إثره فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ [ البقرة : 16 ] فلما استعار لفظ الشراء عقبه بذكر لازمه وحكمه ، وهو الربح توشيحا للاستعارة ، ولو قال فهلكوا أو عموا وصموا عوض قوله : فَما رَبِحَتْ لكان تجريدا ، ولم يكن توشيحا ، ولو قال تعالى فكساها الله لباس الجوع ، لكان توشيحا ، أو قال فأذاقها الله طعم الجوع والخوف لكان توشيحا أيضا ، ومن التوشيح قول كثير عزة : رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ومن قوله : تقرى الرياح رياض الحزن مزهرة * إذا سرى النوم في الأجفان أيقاظا فذكر السهم مع الريش ، والرياض مع الأزهار ، يكون توشيحا . ومن مليح الاستعارة المجردة ما قاله أمير المؤمنين كرم الله وجهه ، في حق الله تعالى : « فلو وهب ما ضحكت عنه أصداف البحار من سبائك العقيان وفلز اللجين » ومن الاستعارة الموشحة قوله عليه السلام : « قذفت إليه السماوات والأرضون مقاليدها ، وانقادت له الدنيا والآخرة بأزمتها » . فلما ذكر الانقياد عقبه بما يلائمه من الزمام توشيحا لها .