يحيي بن حمزة العلوي اليمني
122
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
كالطائر لفرخه في فرط حنوه عليه وتعطفه على محبته ، فجعل الذل طائرا على طريق الاستعارة ، ثم أخذ الوهم في تصوير ما للمستعار من الآلات والجوارح ، ثم أضاف اسم الجناح إلى الذل ، رعاية لمزيد البيان ، وإفراطا في تحصيل البلاغة . وإذا جعلته من باب التحقيق فتقريره أنه لما أراد المبالغة في لين الجانب للأبوين من جهة الولد ، استعار لفظ الجناح للتذلل والتواضع ، ونزله منزلة الجناح في التصاقه بالتراب وإسباله في التغطية للفرخ ، مبالغة في لين العريكة ، وحسن التذلل للوالدين . ومن ألطف ما نوجهه على هذين التوجيهين قوله تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ النحل : 112 ] والظاهر من هذه الاستعارة هو التخييل ، لأن الله تعالى لما ابتلاهم لكفرهم باتصال هاتين البليتين ، ولما استعار اللباس هاهنا مبالغة في الاشتمال عليهم أخذ الوهم في تصوير ما للمستعار منه من التغطية والستر والاسترسال ، رعاية لمزيد البيان في ذلك ، وإن جعلته من باب التحقيق للاستعارة ، فتقريره هو أن ما يرى على الإنسان عند شدة الخوف والجوع من الضعف والهزال ، وانتقاع اللون ، وعلو الصفرة ، ورثاثة الهيئة ، وركة الحال ، وحصول القلق والفشل ، يضاهى الملابس في اختلاف أحوالها وألوانها . التقسيم الثاني باعتبار اللازم لها إلى مجردة وموشحة إذا استعير لفظ لمعنى آخر ، فليس يخلو الحال ، إما أن يذكر معه لازم المستعار له ، أو يذكر لازم المستعار نفسه ، فإن كان الأول فهو التجريد ، وإن كان الثاني فهو التوشيح ، فأما الاستعارة المجردة فإنما لقبت بهذا اللقب ، لأنك إذا قلت : « رأيت أسدا يجدل الأبطال بنصله ، ويشك الفرسان برمحه » فقد جردت قولك : أسدا ، عن لوزم الآساد وخصائصها ، إذ ليس من شأنها تجديل الأبطال ولا شك الفرسان بالرماح والنصال ، ومن التجريد قوله تعالى فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [ النحل : 112 ] ولو قال : كساها الله لباس الجوع والخوف ، لكان توشيحا فبالغ في شدة ما أصابهم بقوله « فأذاقها » لأن الذوق أبلغ في الإحساس وأدخل في الإيلام ، من قوله كساها .