يحيي بن حمزة العلوي اليمني
121
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ومن الخيالية قولهم : « فلان أنشبت المنية فيه مخالبها » كان تخييلا للاستعارة ، لأنه لما شبه المنية بالسبع في عدوانها وتضريتها على الإنسان ، جعل لها مخالب ، ليزداد أمر التخييل ويكثر ، ومن الاستعارة التخيلية ، الآيات الدالة على التشبيه كقوله تعالى : بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ [ المائدة : 64 ] وقوله تعالى : خَلَقْتُ بِيَدَيَّ [ ص : 75 ] وقوله تعالى : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ [ الرحمن : 27 ] ومن أجل ذلك زل كثير من الفرق في اعتقادها جواز الأعضاء على الله تعالى وحلول المكان ، والجهة ، وغير ذلك من الظواهر النقلية التي يشعر ظواهرها بذلك ، فإنهم لما لم يفهموا هذه الاستعارة وجهلوا حالها ، وقعوا في أودية التهويس من اعتقاد التشبيه وتوهم كل ضلالة في ذاته تعالى ، فمن هاهنا كان السبب في ضلال المشبهة ، فأما المنزهة فلهم فيها تأويلات ركيكة بعيدة ، والذي حملهم على ذلك تقرير القواعد العقلية ، فلا جرم اغتفروا بعدها حذرا من المناقضة للقضايا في البراهين ، ولو تفطنوا لهذه الاستعارة لكانوا في غنية عن أكثر هذه التأويلات الركيكة ، فأما التفرقة بين الاستعارة الحقيقية والاستعارة الخيالية ، فسنذكرها في أحكام الاستعارة بمعونة الله تعالى : وقد يجتمع التحقيق والتخييل في الاستعارة كما في بيت زهير : صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله * وعرى أفراس الصبا ورواحله فيمكن جعله من باب التخييل ، وتقريره هو أنه لما تحقق من حاله أنه أمسك عما كان عليه في عنفوان الشباب وغضارته من سلوك جانب الغى وركوب مراكب الهوى ، استعار له قوله : « عرى أفراس الصبا ورواحله » على جهة التخييل وطريقه ، كأنه شبه الصبا في حال قوة دواعيه وميلانه إلى اللهو والطرب ، بالإنسان الذي يقدر على تصريفك على ما تريد ، ثم بالغ في الاستعارة حتى صوره بصورة الإنسان واختراع ما له من الآلات والأدوات ، وأطلق اسمها عليه تحقيقا لحال الاستعارة المتخيلة ، ويمكن جعله من باب التحقيق ، وتقريره أنه استعار الأفراس والرواحل لما يحصل من دواعي النفوس والقوى الإنسانية عند الصبا وميل القلوب إلى الهوى فلهذا قال : عرى عن هذه الأشياء بعد مفارقة الصبا . ومما يمكن تنزيله على هذين الوجهين في الخيال ، والتحقيق ، قوله تعالى : وَاخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ [ الإسراء : 24 ] فإذا جعلته من باب التخييل ، فتقريره هو أن الله تعالى أمر الولد بأن يلين لهما جانبه ، ويتواضع لهما ، فاستعار لفظ الجناح ، منبها به على التخييل في الاستعارة بطريق المبالغة في طلب أن يكون الولد لأبويه ،