يحيي بن حمزة العلوي اليمني

117

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

أحدهما قد لبس قباء أحمر ، والآخر لبس قباء أسود ، فقال : واصفا لهما ، وقد استجدا الآن زيا لا مزيد على حسنهما في حسنه ، فهذا يخرج في ثوب من حمرة خده ، وهذا في ثوب من سواد جفنه . ولنذكر من كلام أمير المؤمنين ما يفوق عليه ويزيد في الاستعارة الرائقة ، والمقاصد الفائقة ، من ذلك قوله في صفة خلقة الطاوس قال فيه : إذا نشر جناحه من طيه وسما به مطلا على رأسه قلت قلع دارىّ عنجه نوتيه ، تخال قصبه مدارى من فضة وما أنبت عليه من عجيب داراته وشموسه خالص العقيان وفلز الزبرجد فإن شبهته بما أنبتت الأرض قلت جنىّ جنى من زهرة كل ربيع ، وإن شاكلته بالحلى فهو فصوص ذات ألوان ، قد نطقت باللجين المكلل ، وإن ضاهيته بالملابس قلت موشى الحلل ، أو مونق عصب اليمن ، وإذا تصفحت شعرة من شعرات قصبه ، أرتك حمرة وردية ، وتارة خضرة زبرجدية ، وأحيانا صفرة عسجدية . فانظر أيها الواقف مقدار ما بين الكلامين من التفاوت في مأخذهما في الاستعارة ، وميز ما اشتمل عليه من الرقة واللطافة والرونق والرشاقة ، فليس العلم كالحسبان ، ولا يكون الخبر كالعيان . ومن ذلك ما قاله بعض الفصحاء في وصف المطر ، أقبل عارض مسف ، متراكم غير شف ، كالقاصد إلى الرقاق ، والمخضل للأنفاق ، فأرخى الغمام عزاليه . واثعنجر بصوب ما فيه . فالتقى الماء على أمر قد قدر ، وتعقد منه الثرى وودأت منه العذر ، وتهدمت القرى . وقال أمير المؤمنين كرم الله وجهه عند الاستسقاء : وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق ، والربيع المغدق ، والنبات المونق سحا وابلا ، تحيى به ما قد مات وترد به ما قد فات ، وأنزل علينا سماء مخضلة مدرارا هاطلة يدافع الودق منها الودق ، ويحفز القطر منها القطر ، غير خلب برقها ولا جهام عارضها ، ولا قزع ربابها ، ولا شفان ذهابها ، تنعش بها الضعيف من عبادك ، وتحيى بها الميت من بلادك ، فهذا معنى واحد قد اتفقا على وصفه فانظر ما بين الوصفين وتأمل ما بين الكلامين ، كيف بالغ فأحسن ، واستعار فأجاد ، ولنقتصر على هذا القدر ففيه كفاية في الاعتراف له بالتقدم والسبق ممن لم يتضمخ برذائل الحسد ، ولا ينبض فيه عرق العصبية ، حيث خصه الله بالخصال الشريفة والفضائل الجمة .