يحيي بن حمزة العلوي اليمني
116
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
معانيه ، ولست أدرى علام أحمل إعراضهم عنه ؟ فإن كان جهلا بأمره ، فقدرهم أعلى من أن يجهلوا مثل ذلك ، وهم الغواصون على جواهر البلاغة ، والمتبحرون في علومها ، وإن كان استغناء عنه بغيره فهيهات هيهات ، أين الغرب من النبع ، والحصا من العقيان ، وعقود الياقوت ، من خرز المرجان ، وشتان ما بين ظهور السها ونور الفرقد ، ومتى ظهر نور الشمس انسلخ الظلام وزال الليس . النوع الرابع في الاستعارة الواردة عن البلغاء وأهل الفصاحة اعلم أنا نذكر هاهنا ما ورد من الاستعارات الفائقة عمن يوصف بالبلاغة ، ونذكر ما يوازنه من كلام أمير المؤمنين ، كرم الله وجهه ، ليتحقق الناظر تفاوت ما بين الكلامين ، وليعرف مصداق ما ادعيناه في حقه من أنه قد صار ابنا لبجدتها وأبا لعذرتها . فمن ذلك ما روى عن الحجاج عند قدومه العراق أنه قال : إن أمير المؤمنين عبد الملك ابن مروان نثل كنانته وعجمها عودا عودا ، فرآني أصلها نجارا ، وأبعدها نصلا . فقوله : نثل كنانته وعجمها عودا عودا ، يريد أنه عرض رجاله واحدا واحدا ، واختبرهم رجلا رجلا ، فرآني أشدهم وأمضاهم ، فهذا من الاستعارات الفائقة . ولنذكر من كلام أمير المؤمنين ما هو أرق وألطف في الاستعارة من هذا ، وهذا نحو قوله يخاطب به معاوية ، فكيف أنت إذا انكشف عنك جلابيب ما أنت فيه من دنيا قد تبهجت بزينتها ، وخدعت بلذتها ، دعتك فأجبتها ، وقادتك فاتبعتها ، وأمرتك فأطعتها ، وإنه يوشك أن يقفك واقف على ما لا ينجيك منه منج ، فاقعس عن هذا الأمر ، وخذ أهبة الحساب ، وشمر لما قد نزل بك ، فإنك مترف قد أخذ الشيطان منك مأخذه ، وبلغ فيك أمله ، وجرى منك مجرى الروح والدم . فليمعن الناظر نظره فيما بين الكلامين من التفاوت في لطيف الاستعارة منهما ، فإنه يجد بينهما بونا بعيدا ، وغاية غير مدركة بالحصر . ومن ذلك ما قاله بعض الفصحاء في وصف ولدين لرجل كان مغرما بحبهما قال : وقد هويت بدرين على غصنين ، ولا طاقة لقلب بهوى واحد ، فكيف إذا حمل هوى اثنين ، ومما شجانى أنهما يتلونان في أصباغ الثياب ، كما يتلونان في فنون التجرم والعتاب ، وكان