يحيي بن حمزة العلوي اليمني
115
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
وأكثر كلامه عليه السلام في أعلى طبقات الفصاحة ، وأسمى مراتب البلاغة ، فأما قوله عليه السلام عند لقاء عدوه " اللهم قد صرح بمكنون الشنآن ، وجاشت مراجل الأضغان " فهاتان استعارتان لشدة البغضاء وتمكن العداوة وتأكدها في الأفئدة ، فهما على ما اختصا به من النظم والاتساق ، وقصر اللفظ وبلاغة المعاني ، لا يقدران بقيمة ولا يوزنان بأنفس الأثمان كما ترى . ومن كلام له عليه السلام يخاطب به معاوية ويذكر فيه توجعه على بني هاشم ، فأراد قومنا قتل نبينا واجتياح أصلنا ، وهموا بنا الهموم ، وفعلوا بنا الأفاعيل ، ومنعونا العذب ، وأحلسونا الخوف ، واضطرونا إلى جبل وعر ، وأوقدوا لنا نار الحرب ، فعزم الله لنا على الذب عن حوزته ، والرمي من وراء حرمته ، مؤمننا يبغى بذلك الأجر ، وكافرنا يحامى عن الأصل ، ومن أسلم من قريش خلو مما نحن فيه بحلف يمنعه أو عشيرة تقوم دونه ، فهو من القتل بمكان أمن ، وكان رسول اللّه إذا احمر الباس ، وأحجم الناس قدم أهل بيته ، فوقى بهم أصحابه حر السيوف والأسنة . فعلى الناظر إعمال فكرته الصافية ، وشحذ عزيمته الماضية ، فإذا فعل ذلك وعزل عن نفسه سلطان الحمية ، وحمى جانبه عن التمسك بأهداب العصبية علم قطعا لا ريب فيه ، ويقينا لا رد له أنه كلام من أحاط بالمعاني ملكه ، ونظم عقود البلاغة ولآلئها سلكه ، وما قصدت بنقل طرف من كلام أمير المؤمنين إلا لغرضين . الغرض الأول التنبيه على عظم قدره ، والإعلام بأن أحدا من البلغاء وأهل الفصاحة لا يبلغ وإن عظم خطره شأو كلامه ، ولا يستولى على أغواره ، ويقصر عن الإتيان بمثاله وما ذاك إلا لأنه قد سبق وقصروا ، وتقدم وتأخروا . الغرض الثاني الإعلام بأن أهل البلاغة ألهب الناس حشا ، وأعطشهم أكبادا ، إلى الوقوف على أسرارها ، والإحراز لأغوالها ، وأغوارها ، ومع ذلك تراهم قد أعرضوا عن كلامه صفحا ، وطووا عنه كشحا ، مع دلوعهم من الكلام بما لا يدانيه ويقصر عن بلوغ أقصر