يحيي بن حمزة العلوي اليمني
101
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
فالله قد ضرب الأقل لنوره * مثلا من المشكاة والنبراس ومن ذلك ما قاله ابن الرومي : لما تؤذن الدنيا به من صروفها * يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وإنه * لأوسع مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهل كأنه * بما هو لاق من أذاها يهدد ومن ذلك ما قاله أبو الطيب المتنبي : أجزنى إذا أنشدت مدحا فإنما * بشعرى أتاك المادحون مرددا ودع كل صوت بعد صوتي فإنني * أنا الصائح المحكى والآخر الصدى فانظر إلى ما أودعه في هذين البيتين من المديح ما أرقه ، ومن المعنى ما أدقه ، ومن ذلك ما قاله ابن الرومي أيضا . عدوك من صديقك مستفاد * فلا تستكثرن من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه * يكون من الطعام أو الشراب ومن دقيق ما يورد فيما نحن بصدده قول بعض الشعراء : بأبى غزال غازلته مقلتى * بين الغوير وبين شطى بارق عاطيته والليل يسحب ذيله * صهباء كالمسك الفتيق الناشق وضممته ضم الكمي لسيفه * وذؤابتاه حمائل في عاتقي حتى إذا مالت به سنة الكرى * زحزحته شيئا وكان معانقى أبعدته عن أضلع تشتاقه * كيلا ينام على وساد خافق ومن الفائق الرائق ما قاله أبو الطيب يمدح سيف الدولة : صدمتهم بخميس أنت غرته * وسمهريته في وجهه غمم فكان أثبت ما فيهم جسومهم * يسقطن حولك والأرواح تنهزم هذا وأمثاله من بدائع أبى الطيب وعجائبه في معانيه التي فاق بها على نظرائه ، وامتاز فيها على أقرانه من الشعراء ، ومن جيد ما يقال في هذا المعنى ما قاله بعض المغاربة : غدرت به زرق الأسنة بعد ما * قد كن طوع يمينه وشماله فليحذر البدر المنير نجومه * إذ بان غدر مثالها بمثاله فهذا وأمثاله من سحريات الشعر وعجائبه ، ولنقتصر منه على هذا القدر .