يحيي بن حمزة العلوي اليمني

102

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

المرتبة الثالثة ما يكون واردا على جهة الاحتذاء على مثال سابق ، ومنوال متقدم ، وهذا كالبخل فإنه ورد عنهم فيه أشياء كثيرة كلها دال على مقصود واحد في الهجاء به وهذا كقول أبى نواس يصف بخيلا : شرابك في السراب إذا عطشنا * وخيرك عند منقطع التراب فما روحتنا لتذب عنا * ولكن خفت مرزئة الذباب ومن ذلك ما قاله بعض المغاربة يهجو إنسانا احترقت داره يقال له ابن طليل : انظر إلى الأيام كيف تسوقنا * طوعا إلى الأقدار بالأقدار ما أوقد ابن طليل قط بداره * نارا وكان هلاكها بالنار وكما قال بعض الشعراء في ذم اللؤم والبخل : زد رفعة وإن قيل أغضى * ثم انخفض إن قيل أثرى كالغصن يدنوا ما اكتسى * ثمرا وينأى ما تعرى ومما ولع به الشعراء وتهالكوا في التعبير عن أحوال الطلول والرسوم وأحوال الديار ، قال أبو الطيب المتنبي : لك يا منازل في القلوب منازل * أقفرت أنت وهن منك أو أهل فأخذ هذا المعنى أبو تمام وأجاد فيه كل الإجادة فقال : عفت الرسوم وما عفت أحشاؤه * من عهد شوق ما يحول فيذهب فأخذه البحتري ونسج على منواله بقوله : وقفت وأحشائى منازل للأسى * به وهو قفر قد تعفت منازله وقال امرؤ القيس : عوجوا على الطلل المحيل لعلنا * نبكى الديار كما بكى ابن حذام فابن حذام هذا هو أول من بكى على الديار فلهذا حذوا على حذوه ، ووصفوا الديار بأوصاف مختلفة كلها متفقة في مقصود واحد ، ولنقتصر على هذا القدر من تمهيد قاعدة هذا الفن ، ونشرع الآن في شرح مقاصده فلنذكر ما يتعلق بذكر علوم البيان من مواقع المجاز في