عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد

8

طبقات شعراء المحدثين

إن تعداد هذه الآثار يشفّ عن أفق ابن المعتزّ الفكريّ الواسع وثقافته الغنيّة التليدة والطريفة . وهل يعلو كعب المؤلف المصنّف في هذه الأغراض الماثلة لمن عاين كتبه ، إلا إذا كان ذا باع طويل في اللغة والبيان والتاريخ والرواية ، فضلا عن الشعر والغناء ؟ قال عنه ياقوت « كان - ابن المعتز - غزير الأدب ، وافر الفضل ، نفيس النفس ، حسن الأخلاق ، وقد أخذ من كل فن من العلوم بنصيب » . هذا القطاف اليانع من ثمار قريحة ابن المعتز وصحافه الأدبيّة المختلفة التي تزدهي بها مأدبة التراث العربي ، إنما كانت جنى مرحلة من التأدّب والدرس ، حثيثة وجادّة ، من أبرز شيوخه فيها أبو العبّاس المبرّد وثعلب وأبي علي العنزيّ . لكنّ ابن المعتزّ لم يقتصر على هؤلاء الأعلام من الأدباء والعلماء الأفذاذ ، لكنه تتلمّذ أيضا على جلّة آخرين عنينا عصره المنفتح على التيّارات الفكرية الأصيلة والدخيلة التي كانت تهب من أنجاد الجزيرة العربية وبواديها ، في جانب ، وتلك الوافدة من حواضر اليونان وفارس والهند ، في جانب آخر . جمع ابن المعتزّ مجد الشعر والقلم إلى مجد الرئاسة والملك حين استدعي كما يذكر الطبري إلى دار سليمان بن وهب - وقد اجتمع فيها أعيان بغداد وكبار رجالاتها من القضاة والقادة - فبويع بالخلافة وعقد له الأمر ولقّب بالخليفة الرّاضي . لكنّ سلفه المقتدر الذي لم يوفّق معارضوه في قتله ، نجح في الهرب ثم جمع أنصاره وبينهم مؤنس الخادم « 1 » ، وحال دون انتقال ابن المعتز إلى دار الخلافة لأن أنصاره لم يقووا على الثبات في مقاومة محاربي المقتدر فانهزموا من حوله « وركب ابن المعتز فرسا ومعه وزيره وحاجبه وقد شهر سيفه وهو ينادي معاشر العامّة ادعوا لخليفتكم وقصد سامرا ليثبت بها أمره فلم يتبعه كثير أحد وخذل فنزل عن فرسه ، فدخل دار ابن الجصاص واختفى وزيره ، ووقع النهب والقتل في بغداد وقتل جماعة من الكبار واستقام الأمر للمقتدر ، ثم أخذ ابن المعتز وقتل سرا وصودر ابن الجصاص » « 2 » . ضاعت خلافة ابن المعتز - وكان أجدر رجال بيت الملك العبّاسي بها -

--> ( 1 ) شذرات الذهب : ( 2 / 223 . ( 2 ) ابن خلّكان : وفيات الأعيان : ( 2 / 264 ) ، أيضا : ابن العماد الحنبلي : شذرات الذهب : ( 2 / 222 .