عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
49
طبقات شعراء المحدثين
حتى إذا استنشقت ريحي وأعجبها * وكنت في خلوة حوّلت إنسانا « 1 » لا تعذلوني فإني من تذكّرها * نشوان هل يعذل الصّاحون نشوانا ] « 2 » وهذا « 3 » معنى بديع لم يسبقه إليه أحد . وهذه قصيدة طويلة ، وقد قدمنا في كتابنا هذا أنا نروم الإيجاز والاختصار . ومما يستحسن من شعره أيضا وهو المعنى الذي لم يسبق إليه : لم يطل ليلى ولكن لم أنم * ونفى عني الكرى طيف ألم « 4 » فاهجر الشوق إلى رؤيتها * أيّها المهجور إلا في الحلم حدّثيني عن كتاب جاءني * منك بالذّم وما كنت أذم أتقرّأت على وجدي بكم * أم توهّمت أديمي قد حلم « 5 » أصدودا بعد ما استهويتني * فيم ذا يا قرّة العين ولم « 6 » فلك اللّه بأن أعتبكم * ثم لا أعتب فيكم من رغم « 7 » فهذا شعر كما ترى أرقّ من النسيم ، وأعذب من الماء الزلال ، وهو مع ذلك كأنه يلعب به من جودة طبعه ، وقرب مآخذه ، وسهولة لفظه ، مع المعاني البديعة التي يقصر عنها الشعراء . ومن مستحسن شعره رائيته العجيبة البديعة المعاني الرفيعة المباني : رأيت صحابتي بخناصرات * حمولا بعد ما متع النّهار « 8 »
--> ( 1 ) الخلوة : الانفراد بالنفس في مكان . ( 2 ) لا تعذلوني : لا تلوموني - النشوان : السكران . ( 3 ) اعتبر ابن المعتزّ قول لبشار : يا قوم أذني . . . الخ من المعاني المستحدثة لأن أحدا لم يسبقه إليه ، فهو أوّل من طرق هذا المعنى وكشف فيه عن شاعرية فذّة وخيال بديع . ( 4 ) الكرى : النوم - وقوله : نفى عني الكرى : أي حجب النوم عن عيني - الطيف : الخيال وألمّ به الطيف : زاره . ( 5 ) الأديم : الجلد - قد حلم ( أي الجلد ) : فسد وحلّ به الدود وتشعّب . ( 6 ) الصدود : الجفاء والهجر والقطيعة - استهويتني : استهواه : ذهب بهواه وعقله وحيّره . ( 7 ) أعتبكم : أزيل عتبكم ، أرضيكم وأزيل ما يغضبكم - رغم : من رغم الشيء : كرهه . ( 8 ) خناصرات : خناصرة : بليدة من أعمال حلب بمحاذاة قنسرين نحو البادية ، وهي قصبة كورة الأحصّ وقد بنى هذه البلدة الصغيرة خناصرة بن عمرو بن الحارث بن كعب . . بن كنانة ، ملك الشام ، وقوله : خناصرات بالجمع للضرورة الشعريّة .