عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
291
طبقات شعراء المحدثين
السّجّان فسأله ، فدعا الرجل حتى دخل عليه ومعه الخشف ، فرآه بعينه فسكنت نفسه . قال لسعيد : أي شيء يشبه خبر هذا من أخبار الناس وأيامهم ؟ قال : سعيد قول مجنون بني عامر حيث يقول : وداع دعا إذ نحن بالخيف من منّى * فهيج أحزان الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنّما * أطار بليلي طائرا كان في صدري قال : أحسنت واللّه وأجدت ، هذا وأبيك يشبه ما نحن فيه ، فخذ باللّه هذا الدّواج . قال سعيد : فقلت : واللّه لا أخذته على هذه الحالة ، فقال : واللّه لتأخذنّه فإن وقع الرضا كان عندنا مثله كثير ، وإن لم يكن إلّا ما نحن فيه فأنت أحق بذلك ، هذا ليس مما تتغير به حال . فقلت له : جعلت فداك ، شيء برّك به أمير المؤمنين ، ولا شك أن السّجّان يمنعني من إخراجه . قال : فبعث إلى السجان فقال له : إني قد وهبته له فلا تمنعه من إخراجه ، فقال السجان : أنا لا أمنعه ، ولكن اكتب إلى مسرور الخادم فأعلمه ، قال : فكتب إليه ، فكثر تعجبه منه ، وأعلم الرشيد بما فعل فأطرق الرشيد مليّا وقال : ما وهبته له وأنا أعترض عليه في شيء يفعله به ؛ ليهبه من يشاء . فلما قام سعيد ليخرج من عند الفضل قال له : هاهنا شيء ، قال : وما هو ؟ قال : إنه سيعرض لك ، ويذهب بك إلى الرشيد ، فيسألك عن السبب ، ويقول لك : بأي شيء وهب لك الدّواج ؟ فإن أنت ذكرت له خشف أهلكتني . قال له سعيد : فما أصنع ؟ فقال له الفضل : قل : تحدثنا ببعض أخبارك وملحك ، فإذا سألك فقل : حديث كيت وكيت ، فوهبه لي . قال سعيد : واللّه ما أدري ما أحدّثه ، قال : لا بد من ذلك ، فتفكّر في شيء يكون عندي علامة - فأينا سئل عن السبب خبّر به ، فلم يختلف الخبران - قلت : كانت لي دار ، ولها باب صغير في زقاق ، سوى بابي المعروف الذي إلى الشارع ، وكان لا يدخل إليّ من هذا الباب الصغير إلّا المرد فقط . فأتى الخادم الموكّل بذلك الباب يوما فقال لي : فتى له لحية يستأذن عليك من هذا الباب الصغير ، فقلت له : صيّره إلى الباب الكبير ، فخرج إليه ، ثم رجع فقال : قلت له فأبى ، وزعم أنه لا يدخل إلّا من هذا الباب ، فإن رسمه كذلك ، فقمت فاطلعت من شقّ الباب ، وإذا حريف « 1 » لي غاب
--> ( 1 ) الحريف ( هنا ) : النديم والمرافق في الشرب .