عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد

288

طبقات شعراء المحدثين

ومن بدائعه المليحة قوله : بكت غير آنسة بالبكاء * ترى الدّمع في مقلتيها غريبا وأسعدها نسوة بالبكاء * جعلن مغيض الدّموع الجيوبا « 1 » أيا من تعلّقته ناشئا * وشبت وما آن لي أن أشيبا ويا من دعاني إلى حبّه * فلبّيت حين دعاني مجيبا وكم باسطين إلى حبلنا * أكفّهم لم ينالوا نصيبا « 2 » لعمري لقد كذب الزّاعمون * بأن القلوب تجاري القلوبا « 3 » ولو كان حقّا كما يزعمون * لما كان يشكو محبّ حبيبا وأنت إذا ما وطئت الترا * ب صار ترابك للناس طيبا وذكر أن الرشيد هجر جاريته ماردة وهي أم المعتصم ، وكاد يموت من عشقها ، فتكبّر أن يبدأها بالصلح ، وتكبّرت هي أيضا ، فصبرا على ذلك بأمرّ عيش ، وكاد الرشيد يتلف . وكان وزيره الفضل بن الربيع ، فأحضر الفضل العباس بن الأحنف ، وعرّفه القصة وقال : قل في ذلك شيئا ، فقال : العاشقان كلاهما متجنّب * وكلاهما متعتّب متغضّب صدّت مهاجرة وصدّ مهاجرا * وكلاهما مما يعالج متعب إنّ التجانب إن تطاول منهما * دبّ السّلو له فعزّ المطلب فبعث إليه الفضل بالأبيات ، فسرّ بها سرورا ، ولم يستتمّ الرشيد قراءتها حتى قال العباس أيضا في بيتين في ذلك وهما : لا بدّ للعاشق من وقفة * تكون بين الوصل والصّرم « 4 » حتى إذا الهجر تمادى به * راجع من يهوى على الرّغم « 5 » فاستحسن الرشيد إصابته حالهما ، وقال : واللّه لأصالحنّها كما قال .

--> ( 1 ) المغيض : مجتمع الماء ومدخله . ( 2 ) إلى حبلنا : وفي الشعر والشعراء إلى وصلنا . ( 3 ) تجاري : وفي رواية تجازي . ( 4 ) الصرم : القطيعة والهجر وهو نقيض الوصل . ( 5 ) تمادى به : لجّ به ، وتمادى في الأمر بلغ فيه المدى - الرّغم : الكره .