عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
237
طبقات شعراء المحدثين
قال لي أبو نواس : الشّره في الطعام دناءة ، وفي الأدب مروءة ؛ وكل من حرص على شيء فاستكثر منه سكن حرصه وقرّت عينه غير الأدب ، فإنه كلما ازداد منه صاحبه ازداد حرصا عليه وشهوة له ودخولا فيه . حدّثني أحمد بن سلمان قال حدّثني اليؤيؤ قال : سمعت أبا نواس يقول : لا ضيعة « 1 » على أديب حيث توجّه ، فإنه يجالس أشراف الناس وملوكهم في كل بلد يرده ، وما قرن شيء إلى شيء أحسن من عقل إلى أدب « 2 » . حدّثني علي بن إسحاق قال حدّثني ابن أبي خلصة قال : رأيت أبا نواس واقفا بالجسر ، ومعه غلام وجارية ، لم أر أحسن منهما ، وهو على حمار فاره « 3 » ، فقلت : يا أبا علي ما وقوفك ؟ وما هذا معك ؟ قال : إن الخصيب حملني على هذا الحمار ، ووهب لي هذا الغلام وهذه الجارية ، فكيف تراهما ؟ قلت : ما يصلحان إلّا للملوك . قال : صدقت ولكنها نعمة تتبعها نقمة . قلت : ولم ذاك ؟ قال : إني أخاف أن أدع الغلام مع الجارية فيكشخنني « 4 » فيها ، فهل عندك من رأي ؟ قلت : تجعل الجارية في منزل الثقات من إخوانك ، فتزورها إذا شئت . قال : أخاف أن أسترعي الذئب . وافترقنا ، ثم التقينا بعد أيام ، فقال لي : شاورناك في أمرهما فما فتحت لنا بابا ، وإني لمّا فارقتك ازدحم الرأي المصيب على لساني وقلبي . فقلت : ما صنعت ؟ قال زوّجت الغلام بالجارية ، فصرت أكشخنه فيها . فقلت : إن الشيء كان حلالا لك فجعلته حراما . فقال : يا أحمق أفي الحلال شاورناك أم قلنا لك : ما الرأي ؟ فقلت : عليك لعنة اللّه ما أهداك إلى كل آبدة « 5 » !
--> ( 1 ) لا ضيعة على أديب . . . : مصدر ضاع ضياعا إذا تلف وصار مهملا . ( 2 ) وجاء في « مختصر الطبقات » ( ص 11 ) وتذاكر قوم في أغزل العرب فقال أحدهم : هو أبو نواس القائل : حبّ مجد وحبيب يلعب * أنت إذا بينهما معذّب وفي أوصفهم للخمر ، فقال أبو نواس لقوله : أذكى سراجا وساقي القوم يمزجها * فقام في البيت للمصباح مصباح كدنا على علمنا للشك نسأله * من راحنا النّار أم من نارنا الرّاح ( 3 ) الفاره من الدواب : النشيط والخفيف . ( 4 ) يكشخنني : من كشخنه جعله ديوثا . ( 5 ) الآبدة : الشيء الغريب .