عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد

125

طبقات شعراء المحدثين

يكتب للبرامكة ، ويطير معهم في دولتهم بجناحين « 1 » ، وكانوا به معجبين ، فارتحل إليه الخليل بن أحمد ، فلما عاشره وجده بحرا ، فأجزل له وأغناه . وأحب الخليل أن يهدي إليه هدية تليق به ، فأقبل وأدبر ، وعلم أن المال والأثاث لا يقع منه موقعا حسنا ، لوجود ذلك عنده ، وكثرته لديه ، وأنه لا يسرّ بشيء سروره بمعنى لطيف من الأدب ، فجهد نفسه في تصنيف . كتاب العين ، فصنفه لليث بن نصر دون سائر الناس ، ونمّقه وحبّره ، وأخرجه في أسرى ظرف وأحسن خطّ ، فوقع منه موقعا عظيما ، وسرّ به سرورا شديدا ، فوصله بمائة ألف درهم ، واعتذر إليه من التقصير ، وأقبل ينظر فيه ليلا ونهارا ، ولا يملّ منه ولا يفتر . وكان يغدو ويروح على البرامكة ، فكأنه على الرّضف « 2 » حتى يرجع إلى الكتاب وينظر فيه ، إلى أن حفظ نصف الكتاب . وكانت تحته بنت عمّ له ، وكانت سريّة نبيلة موسرة جميلة ، وكانت تهوى ابن عمها وتحبّه ، فاشترى الليث جارية نفيسة فائقة الجمال ، بثمن جزيل ، فأقعدها في منزل صديق له يتسرّى بها ، فبلغ ذلك ابنة عمّه ، فوجدت « 3 » من ذلك أشدّ وجد ، وحزنت وقالت : واللّه لأغيظنّه ولا أتقي الغاية . وقالت : إن غظته في المال فهو لا يبالي به ولا يكترث له ، ولكنّي أراه مشغوفا بهذا الكتاب ، وقد هجر كل لهو ولذّة ، وأقبل على النظر فيه ، واللّه لأفجعنّه به . ثم عمدت إلى الكتاب بأسره فأحرقته ، فلما كان بالعشيّ ، وراح الليث من دار البرامكة ، ودخل المنزل ، لم يكن له همّ إلّا الكتاب ، فصاح بالغلام أن يحمله إليه ، فلم يوجد الكتاب ، وكاد يطير طيشا ، وظنّ أنه سرق ، فجمع غلمانه وتهدّدهم . فقال بعضهم : يا سيدنا أخذته الحرّة . فبادر إليها ليترضاها ويسترجع الكتاب ، وقال لها : ردّى الكتاب والجارية لك ، وقد حرّمتها على نفسي ، فأخذت بيده ، وأدخلته البيت الذي أحرقته فيه . فلما نظر إلى رماده ، وصح عنده أنه احترق ، سقط « 4 » في يديه ، وظنّ أنه أصيب بمال عظيم أو بولد أو أعظم منه ، وكان

--> ( 1 ) يطير معهم بجناحين : أي يحلق وهو بصحبتهم . ( 2 ) الرضف : جمع رضفة وهي الحجارة المحمّاة يسخّن عليها ، وفي رواية : الرصف والصواب ما أثبت . ( 3 ) وجد - وهي وجدت - وجدا : حزن . ( 4 ) سقط في يديه : ندم .