عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد
126
طبقات شعراء المحدثين
قد حفظ نصف الكتاب ، وبقي عليه نصفه - وقد مات الخليل - فطلبه في الدنيا كلّها فأعجزه « 1 » ذلك ، ولم تكن النسخة وقعت إلى أحد ، فاستدرك النصف من حفظه وجمع على النصف الباقي علماء أهل زمانه . فقالوا : ما تروم ؟ قال : مثلوا عليه ، فمثّلوا ، فلم يلحقوه ، ولا شقّوا غباره « 2 » . فأنت ترى ما في أيدي الناس من ذلك ، فإذا ما تأملته تراه نصفين ، النصف الأول أتقن وأحكم ، والنصف الآخر مقصّر عن ذلك . ومما يستحسن للخليل بن أحمد من شعره قوله : وما هي إلا ليلة ثم يومها * وحول إلى حول وشهر إلى شهر « 3 » مطايا يقرّبن الجديد إلى البلى * ويدنين أشلاء الكريم إلى القبر « 4 » ويتركن أزواج الغيور لغيره * ويقسمن ما يحوى الشحيح من الوفر ومما سار له في الدنيا قوله : أبلغا عنّي المنجّم أني * كافر بالذي قضته الكواكب « 5 » عالم أنّ ما يكون وما كا * ن قضاء من المهيمن واجب « 6 » ومن السائر الذي يروى له قوله : لو كنت تعلم ما أقول عذرتني * أو كنت تعلم ما تقول عذلتكا « 7 » لكن جهلت مقالتي فعذلتني * وعلمت أنّك جاهل فعذرتكا ومما يختار له قوله لسليمان بن قبيصة بن يزيد بن المهلّب وقد كتب إليه يستزيره إلى السند وكان واليا عليها : أبلغ سليمان أني عنه في سعة * وفي غنّى غير أني لست ذا مال
--> ( 1 ) أعجزه ذلك : لم يقدر عليه . ( 2 ) لا شقّوا غباره : لم يلحقوا به . ( 3 ) الحول : السنة . ( 4 ) المطايا : جمع مطيّة ، الدابّة وكل ما يمتطى - البلى : الزوال ، الفناء - يدنين : يعرّين - الأشلاء : الأعضاء المقطّعة . ( 5 ) كافر بالذي قضته الكواكب : ينفي إيمانه بالتنجيم . ( 6 ) المهيمن : ذو الهيمنة ، المسيطر ، والمراد هنا اللّه تعالى . ( 7 ) عذرتني : وجدت لي العذر - عذلتك : لمتك .