عبد الله بن معتز بن متوكل بن معتصم بن هارون الرشيد

12

طبقات شعراء المحدثين

الياسمين وأرج الزّنابق وتحدق بمجلس الشراب والنّدامى ألحاظ الحسان النّافذة في الجوارح والقلوب نفاذ النصال والأسنة والنّبال . وكي لا ندخل عالم ابن المعتز الخمري فنضيع في أروقته ، نقتصر على لمحات قليلة من هاتيك الأجواء الغارقة في نشوة السكر والجمال ، كما في قوله : خليليّ قد طاب الشراب المبرّد * وقد عدت بعد الشكّ والعود أحمد فهاتا عقارا في قميص زجاجة * كياقوتة في درّة تتوقّد يصوغ عليها الماء شبّاك فضّة * لها حلق بيض تحلّ وتعقد وغنّى لها في جوفها حبشيّة * عليها سراويل من الماء مجسد فظاهرها حلم صبور على الأذى * وباطنها جهل يقوم ويقعد ولما جنيناها قطافا رويّة * تذوب إذا مسّت عناقيدها يد هذه الملامح التي اخترنا من شعر ابن المعتز لا تغني عن مصاحبة الشاعر في جنبات ديوانه ورياضه الفوّاحة ، وجنان عالمه الغارقة في النور والضّياء والموشّحة بالأصباغ والمرصّعة بألوان مستمدة من قوس قزح الطبيعة . وقصيدة ابن المعتزّ ، إلا نادرا لا تمعن في الطول وقد تظلّ مقطوعة ، وتتضاءل المقطوعة لتكون كالرباعيات . بل هو يطيب له أحيانا أن يتحفنا بالبيت الفريد . ومن أهم مرتكزات ابن المعتز الفنيّة عنايته بالتشبيه - وقد استوقف النقاد ببراعة تشابيه وإلحاحه على هذا الضرب من ضروب البيان . كشف هؤلاء النقّاد سمات التشابيه المعتزّيّة - إذا صحت النسبة - وافتنوا في الإيماء إليها فقال ابن منظور : وابن المعتز « نادر التشبيهات الملكية » « 1 » . وذهب ابن رشيق إلى أنّ التشبيه هو الاتجاه الذي غلب على شعر ابن المعتز والطريقة التي انقاد إليها في مقابل التصنيع عند أبي تمّام ووصف الطيف عند البحتري . وابن المعتز نفسه قال : « إذا قلت كأن ولم آت بعدها بالتشبيه ففضّ اللّه فأي » « 2 » . واعتبر صاحب العمدة أن هذا الشاعر العبّاسي انتهى إليه التشبيه كما انتهى إليه سرّ صناعة الشعر « 3 » . ويجمع دارسو ابن المعتز على أن بيئة الشاعر هي التي أعطته القدرة على حشد الصور اللامتناهية من التشبيه في شعره ، وهو ما أكّده ابن الرومي حين قال عنه إنّه في هذه التشابيه « إنما يصف ماعون بيته » .

--> ( 1 ) انظر نثار الأزهار ص 28 . ( 2 ) انظر معاهد التنصيص ص 194 . ( 3 ) العمدة ( 2 / 19 ) .