خليل الصفدي

60

صرف العين

صحابة ديوان الإنشاء الشريف عوضا عن ابن الأثير « 1 » ، ورأى ذلك قال : « هذا ما هو مليح ، وكتابة الذهب بلا تزميك كالعيون بلا جفون » ؛ فاستقرت القاعدة على ذلك ، وكان هذا من لطف ذوقه وحسن بصيرته . وقد كتب القاضي الفاضل - رحمه اللّه تعالى - على رسالة كتبها موفق الدين خالد بن القيسراني - رحمه اللّه تعالى - « 2 » بالذهب وزمّك ذلك ، وهذا الذي كتبه القاضي الفاضل كلام ما سمحت بمثله قريحة ، ولا جادت به سجيّة منيحة ، وكيف وكل فكرة - بعده - بمثله شحيحة ؟ ، وقد جاء منه في ذكر الذهب وتزميكه ، فقال : « ولا يحسب إلّا أنّ الخط تحسّب بيدها « 3 » ، فتحرّت له أثواب الحداد ، وجلت عرائس حروفه مضمّخة الأجساد بالجساد « 4 » ، وأطلعت إنسان عين الإحسان بدليل كونه لم يلمح إلّا في سواد ، وكيف لا يفصّل « 5 » جوهرها بأن يفضّل « 6 » ؟ وكيف لا تقابل حروفها بأن تقبّل ؟ وقد كتب الناس باليد وكتبت بالعين ، وحصّل الناس من هذه الصناعة بعد حرب حنين على خفى حنين ، وفازت بما أظهرت من ثروتها للنظار بالنّضار ، وصحت لها الكيمياء ؛ لأنها كتبت بشطر دينار سطرا واحدا بألف دينار « 7 » .

--> ( 1 ) علي بن أحد بن سعيد ، علاء الدين ، ابن الأثير ، الحلبي ( 680 - 730 ه ) كاتب السر في الديوان الشريف ، كان مشهورا بالذكاء ، وله وجاهة ، انظر : المختصر في أخبار البشر 4 / 100 ، وذيول العبر 4 / 88 ، وتذكرة النبيه 2 / 200 ، ودرة الأسلاك 263 ، والبداية والنهاية 14 / 149 والدرر الكامنة 3 / 14 ، والنجوم الزاهرة 9 / 283 . ( 2 ) أبو البقاء ، خالد بن محمد بن نصر ، موفق الدين ، ابن القيسراني ، القرشي ، المخزومي ( ت 588 ه ) وزير من أعيان الكتاب ، انظر : بغية الطلب 7 / 3096 ، والعبر 3 / 97 ، والوافي بالوفيات 13 / 282 ، والمقفى الكبير 3 / 740 ، والأعلام 2 / 298 . ( 3 ) تحسّب : توسّد ، والمحسبة : الوسادة من الأدم . انظر : اللسان « حسب » 1 / 316 . ( 4 ) الجساد : الزعفران ، وذكر السرى الرفاء في كتابه « المحب والمحبوب » عشرة أسماء للزعفران ، راجع : التعليقات والنوادر 3 / 1070 ، والمخصص 11 / 209 ، والمحب والمحبوب 2 / 184 ، واللسان « جسد » 3 / 121 . ( 5 ) فصّل النظم ، وعقد مفصّل : أي جعل بين كل لؤلؤتين خرزة . انظر : اللسان « فصل » 11 / 521 . ( 6 ) التفضّل : التوشّح ، وأن يخالف اللابس بين أطراف ثوبه على عاتقه . انظر : اللسان « فضل » 11 / 526 . ( 7 ) تراجع هذه الرسالة في مطلع الفوائد ومجمع الفرائد ، لابن نباتة 416 ، ونصرة الثائر 94 ، والمقفى الكبير 3 / 744 وسمّاها المقريزي « الرسالة الذهبية » .