خليل الصفدي

98

صرف العين

وكان العسكري موفقا في بيان انتقال المعنى من الحسى إلى المعنوي ، فإنّ « المعنويات فرع عن الحسيات بطريق المجاز » « 1 » . وهو ما أجمع عليه المحدثون من علماء اللغات « 2 » . وقد يسهم التاريخ في تفسير بعض المجازات الغامضة ، من ذلك ما بيّنه العسكري في كلمة « الجائزة » بمعنى العطية - أو المنحة « 3 » ، ومن ذلك « التقاوى » بمعنى البذور ، ومرجعها إلى « الحبوب » التي كان يأخذها الفلاحون من مخازن الحكام ، وملّاك الأرض ، مساعدة ، و « تقوية » لهم على توفير احتياجات الأرض من البذور ، على أن يردها آخذوها عند الحصاد ، مع ما على الأرض من خراج « 4 » . ولا تختلف اللغة العربية عن غيرها من اللغات في تأثير المجاز في معاني الكلمات ، وظهور المشترك ، فلعله من الظواهر اللغوية العامة ؛ فقد أصبحت كلمة « ANK » في بعض اللغات الأوربية ، كالإنجليزية والفرنسية تعنى « الدّبّابة » ، إلى جانب معناها الأول كخزان ، أو وعاء من الزنك ، والأصل في هذه التسمية : أنّ البريطانيين في أثناء الاستعداد للحرب العالمية الأولى - وبعد أن توصلوا إلى صنع الدبابة - وكان شكلها الأول يشبه الخزان ، وحفظا للأسرار الحربية ؛ كانت العامة ، إذا مرت بمستودع من مستودعاتها ، ودفع الفضول بعضهم إلى السؤال عن هذا الشئ المجهول الغامض ، قيل لهم : إنه خزان ، ومن هنا جاءت التسمية « 5 » . ويقول أولمان ULLMAN : « فالاستعارة مثلا كما في نحو CRANE ، وظيفتها

--> ( 1 ) فصول في فقه العربية 328 . ( 2 ) انظر : في اللهجات العربية 119 ، دور الكلمة في اللغة 191 . ( 3 ) قال : إنّ بعض الأمراء في أيام عثمان ( وأظنه عبد اللّه بن عامر قصد عدوّا من المشركين ، بينهم وبينه جسر ، فقال لأصحابه : « من جاز إليهم فله كذا » فجازه قوم منهم ، فقسّم فيهم مالا ؛ فسمّيت العطيّة على هذا الوجه جائزة » . انظر : الفروق في اللغة 166 . ( 4 ) انظر : فصول في فقه العربية 329 . ( 5 ) محاضرات في اللغة الإنجليزية ، للدكتور محمد مهدى علام ، ألقاها على طلبة الدراسات العليا ، في كلية الآداب ، جامعة عين شمس ، في سنة 69 / 1970 م ، ولا ننس أنّ « الدبّابة » لفظ قديم استعير للسلاح المعروف اليوم .