علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
309
الصداقة والصديق
فقال : لا أقول كما قال سفيان لنقصان دهرنا عن دهره ، ولكني أقول : أرض من شئت ، ودسّ من يسأله عنك ، وما أنكر لكثرة الشّر في الناس أن يكون جواب كثير ممن يرضى مثل جواب من يغضب ، إلّا أني أرجو أن لا تكون هذه القضيّة عامة . [ جليس الخير ] وأنشدني عبيد اللّه بن عبد اللّه لنفسه : وحدة الإنسان خير * من جليس السوء عنده وجليس الصدق خير * من جلوس المرء وحده وهذا لعمري كما قال ، ولكن كيف لنا بجليس الصدق ؟ ولربما نفع قرب العدو ، وضرّ قرب الصديق ، وهذا كلام ينكر ظاهره إلى أن يظهر تفسيره ، أما العدوّ الذي ينفع قربه فهو الذي مقدار ضرّه أن يثلب ويعيب ، ويجد مطعنا ليذيع ويشيع ، فإذا قرب هذا صورته ممن يعاديه وكّله بحراسة نفسه ، ومراعاة أموره ، وتحصين تدبيره ، وتحسين أفعاله ، وكان برصده له رقيبا عليه ، وإذا رام تحفظ الإنسان بهذا الرصد وترقيه هذه الرتبة صلحت أموره ، وكان سبب صلاحها قرب هذا العدو منه ، وإنما صار للعرب مآثر تنشر ، ومفاخر تذكر ، بتوقّيهم المعاير « 1 » والمعايب ، في المقاوم « 2 » والمجامع ، ولم يخل أحد قط من وليّ مؤدّب ، أو عدوّ مؤنّب ، أو تقريع بخطإ أو تهجين « 3 » بنقص إلّا من أهمل نفسه ، ومن عادة الإهمال الهلاك ، وقلّ من تحفّظ فسلم من إضاعة ، فكيف به إذا أضاع التحفظ من نفسه ، وأمنه من غيره .
--> ( 1 ) المعاير : المعايب . ( 2 ) المقاوم : مفردها قوم ، وقوم : الإقامة . ( 3 ) هجّن الأمر : قبّحه وعابه .