علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

308

الصداقة والصديق

[ فساد الناس ] وكتب أحمد بن إسماعيل الكاتب « 1 » إلى ميمون بن هارون « 2 » : أعلمني رسولي أنك سألته عمن آنس به في ناحيتي ، ومن في الناس اليوم يؤانس أو يجالس ؟ نحن إلى الأنس منهم أحوج منّا إلى الأنس بهم ، وصورة الأمر في فسادهم أنه لما كان الدين عمود المحاسن ، ونظام الفضائل ، وعصم الأخلاق ، وكان الناس قد خلوا أو أكثرهم منذ صاروا يتعاطونه مع المراء من الدين في معاملاتهم ومودّاتهم ، مدخولا من جوانبه ، مختلّا من أوساطه وأطرافه فلن ترى إلّا ذامّا / مذموما ، زاريا مزريا عليه ، حالفا بالقبيح ، محلوفا به . [ وصية سفيان ] وحدثت أن رجلا قال لسفيان الثوري « 3 » : أوصني ! فقال : أقلّ معرفة الناس ، وأنكر من تعرفه منهم ، وابدأ بي ، وأغضب من شئت ، ودسّ من يسأله ، فو اللّه لولا حيت « 4 » رجلا في زمانه فغضب لما أمنت أن يترامى به غضبه إلى سفك دمي ، وأفرط أعزّك اللّه مفرط في هذا الزمان

--> ( 1 ) هو أحمد بن إسماعيل بن الخصيب الأنباري المعروف بنطّاحة ، أديب من كبار الكتاب المترسلين ، كان كاتب عبيد اللّه بن عبد اللّه بن طاهر ، وقتله محمد بن طاهر . له كتب منها ( ديوان رسائل ) في ألف ورقة و ( طبقات الكتّاب ) و ( صفة النفس ) ، توفي سنة 290 ه . ( 2 ) هو أبو الفضل ميمون بن هارون بن مخلد بن أبان البغدادي ، كاتب ، صاحب أخبار وآداب وأشعار أخذ عن الجاحظ ومعاصريه ، وأخذ عنه قدامة بن جعفر وآخرون . توفي سنة 297 ه . ( 3 ) هو أبو عبد اللّه سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري ، أمير المحدّثين وسيد أهل زمانه في علوم الدين . ولد في الكوفة سنة 97 ه ونشأ بها ، وأراده المنصور على أن يلي الحكم فخرج من الكوفة سنة 144 ه فسكن مكة والمدينة ، ثم طلبه المهدي فتوارى ، وانتقل إلى البصرة فمات فيها مستخفيا سنة 161 ه . ( 4 ) لاحاه ملاحاة ولحاء : نازعه . وفي المثل : « من لاحاك فقد عاداك » . وتلاحى القوم تلاحيا : تلاعنوا وتلاوموا .