علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )
246
الصداقة والصديق
جائرا ، ومفضّلا وإن كنت ممانعا ، رضاه منوط برضاك ، وهواه محوط بهواك ، إن ضللت هداك ، وإن ظمئت أرواك ، وإن عجزت آداك « 1 » ، يبين عنك بالجسم والرسم ، ويشاركك في القسم والوسم « 2 » . قلت : أما الوصف فحسن ، وأما الموصوف فعزيز ، قال : إنّما عزّ هذا في زمانك حين خبثت الأعراق ، وفسدت الأخلاق ، واستعمل النّفاق في الوفاق ، وخيف الهلاك في الفراق ، واللّه لقد شاهدت لشيخنا ابن طاهر أصدقاء ينطوون له على مودّة أذكى من الورد والعنبر ، إذا لحظهم بطرفه تهلّلوا ، وإذا ناقلهم بلفظه تدلّلوا ، وإذا تحكّم عليهم تعجّلوا ، وإذا أمسك عنهم نوّلوا وخوّلوا ، وكان يجدون « 3 » به ما لا يجدون بأهليهم « 4 » وأولادهم ، رحمة اللّه عليهم ، فلقد كانوا زينة الأرض ، في كلّ حال من الشّدّة والخفض « 5 » ، وإني لأذكرهم فأجد في روحي عبقا « 6 » من حديثهم ، قلت : كيف كان انبساطهم في الاجتماع ؟ قال : ما كانوا يتجاوزون الليلة الحلوة ، والمزح الخفيف ، واللفظ اللطيف ، والرمز الرشيق ، والتبسّم المقبول ، وإذا افترقوا فإنما هم في اهتمام يعود « 7 » بنظام عيشهم ، وتدوم لهم مسرّة حياتهم ، الكلمة واحدة ، والطريقة واحدة ، والإرادة واحدة ، والعادة واحدة ، والوحدة إذا ملكت الكثرة نفت الخلاف ، وأورثت الائتلاف ، ثم تكلّم في الوحدة والواحد والأحد بكلام في غاية الرقة ، مع الإيضاح ، ولولا أن هذا الموضع يجفو
--> ( 1 ) آدى على فلان : أعداه وأعانه . ( 2 ) القسم : الخلق والعادة . الوسم : العلامة . ( 3 ) م - وكان . وجد به وجدا : أحبّه . ( 4 ) ج ق - بأهلهم . ( 5 ) الخفض : الدعة وسعة العيش . ( 6 ) ج ق - روحا . العبق : رائحة الطيب المنتشرة . ( 7 ) ج ق - بأن يعود .