علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

212

الصداقة والصديق

مثل ما للّه عندك . وقالوا : إذا أحبّ اللّه عبدا ألقى مودّته على الماء فلم يشرب منه أحدا إلّا أحبّه ، وإذا أبغض اللّه عبدا ألقى بغضه على الماء فلم يشرب منه أحد إلّا أبغضه . [ ابن سمعون ] وسمعت ابن سمعون الصوفي « 1 » يقول : ما يقف البشر على بعد غور قول اللّه تعالى لكليمه : وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي « 2 » ، فإن في هاتين الكلمتين ما لا يبلغ كنهه « 3 » ، ولا ينال آخره ، ولو أنّ أرقّ الناس لسانا ، وألطفهم بيانا أراد أن يتوسط حقيقة هذا القول لم يستطع وعاد حسيرا ، ونكص بهيرا « 4 » ، وبقي عاجزا . ثم قال : اللّهمّ حبّب بعضنا إلى بعض ، واجمع شملنا إلى رضاك عنّا مع إحسانك إلينا ، إنّك أهل ذلك ، والجواد به . [ خير الناس ] وقال بعض السلف الصالح : خير النّاس خير النّاس للنّاس . [ حب الناس ] وقال آخر : من أحبّ الناس صنع ما يحبّه الناس . [ مخالطة الناس ] وقال / رجل من قريش : خالطوا النّاس مخالطة إن غبتم حنّوا إليكم ، وإن متّم بكوا عليكم .

--> ( 1 ) هو أبو الحسين محمد بن أحمد بن إسماعيل بن عنبس بن سمعون ، زاهد واعظ يلقب ( الناطق بالحكمة ) ، ولد ببغداد سنة 300 ه وتوفي فيها سنة 387 ه . علت شهرته حتى قيل : « أوعظ من ابن سمعون » ، وقال الحريري في المقامة 21 الرازية في الكلام على واعظ : « ويحلون ابن سمعون دونه ! » جمع الناس كلامه ودوّنوا حكمه وقال الشريشي : كان وحيد عصره في الإخبار عما هجس في الأفكار » . ( 2 ) القرآن الكريم : سورة طه ، الآية 39 . ( 3 ) الكنه : جوهر الشيء وقدره ووجهه وحقيقته وغايته ، تقول : « عرفت كنه المعرفة » . ( 4 ) ج ق - مبهورا . بهر : ( للمجهول ) عدا حتى غلبه البهر وهو تتابع النفس وانقطاعه من شدة الإعياء .