علي بن محمد بن عباس ( أبي حيان التوحيدي )

151

الصداقة والصديق

[ وفاء وهجران ] وسمعت ابن كعب الأنصاري « 1 » ينشد كثيرا : يا أخا كان يرهب الدهر من ذكري * له عند نائبات الحقوق كنت تحتلّ حبّة القلب من قلبي * وتجري مجرى دمي في عروقي « 2 » كنت مني مكان بعضي من بعضي * فأصبحت في مدى العيّوق « 3 » ما قذى عينك التي كنت ترعاني * بها مرة وأنت صديقي « 4 » أم بدت حاجة إليك أحلّتني * محلّ البعيد منك السّحيق صرت تشري إذا التحفت بثوبي * وتوحّي إذا سلكت طريقي « 5 » [ ابن العميد والنيسابوري ] سمعت علي بن القاسم الكاتب « 6 » يقول : قلت لأبي الفضل ، يعني ابن العميد : ما ينقضي عجبي من إقدامك على الحاجب النّيسابوري « 7 » بعد التّصافي الذي كنتما عليه ، والملح الذي تجتمعان له ، والرّضاع الذي تتراوحان فيه ، وو اللّه ما يفصل الناظر بينكما الظالم من المظلوم منكما ، وإنّ إشكال الحال فيكما يدعو إلى سوء الظن بكما ، وتوجيه اللائمة « 8 » الشنيعة إليكما . فقال : يا أبا الحسن واللّه لقد كدت أن أكونه لولا أن اللّه بسط يديّ عليه ، وأظفرني به ، إنه لما استحال الحال بيني وبينه أظلم الجوّ في عيني ، وعزب عني رأيي ، ووجلت من صولته وجولته ، وكان كما علمت

--> ( 1 ) ورد ذكره في الإمتاع والمؤانسة 1 / 108 ، 2 / 135 . ( 2 ) حبّة القلب : هنة أو شيء فيه ، وقيل : مهجته أي دمه . ( 3 ) العيّوق : نجم يتلو الثريا يضرب به المثل في البعد . ( 4 ) قذت عينه : قذفت بالغمص والرمص ، والقذى : ما يقع في العين من تبنة أو غيرها . ( 5 ) ج ق - وتحوي . شرّ الثوب تشرية : وضعه على خصفة أي قفة كبيرة أو غيرها في الشمس ليجفّ . توحّى توحية : استعجل وأسرع . ووحّاه : عجّله . ( 6 ) ورد ذكره في الإمتاع والمؤانسة 1 / 61 ، وفي مثالب الوزيرين 293 . راجع خبر النّيسابوري مع ابن العميد معجم الأدباء 14 / 211 . ( 7 ) ورد ذكره في مثالب الوزيرين ص 253 . ( 8 ) ج ق - الملامة .